من المقابر الجماعية إلى المجازر الجماعية
بقلم : محمد خليل الحوري
إن الفشل الذريع التي منيت به أميركا من جراء غزوها للعراق ، يعد نكسة لها لكونها لم تحكم العقل والمنطق ، وخرجت على الشرعية الدولية عندما أصرت على هذا
الأمر ، وكان فشلها في العثور على أسلحة الدمار الشامل ، والتي كانت قد عللت به غزوها وجعلته من أهم الحجج والذرائع التي إتخذتها لشن الحرب المدمرة على العراق قد أصبح فضيحة مدوية لها .فأرادت أن تخفي فشلها وتشغل الرأي العام العالمي وأجهزة الإعلام في العالم عن إخفاقاتها وأكاذيبها ، فإخترعت بدعة جديدة وركزت على المقابر الجماعية في العراق ، والتي كانت نتيجة لممارسات النظام البائد القمعية والإجرامية ، ولما قام به من مجازر ومذابح جماعية بحق الشعب العراقي وبعض الجنسيات الأخرى ، ومنهم ضحايا الإنتفاضة الشعبانية في العام 1991 م .وكان سبب ذلك هي أميركا نفسها إذ سمحت للنظام البائد بإستخدام الطيران العسكري بالرغم من الحصار والحظرالعسكري الدولي عليه بما فيه إستخدام سلاح الطيران ، للقضاء على تلك الإنتفاضة الباسلة بمباركة أميركية ، والتي كادت أن تقود إلى ثورة شعبية عارمة تطيح برأس النظام ورمـــوزه .وظلت وسائل الإعلام الأميركية وأبواق الدعاية الإعلامية التابعة لها في الدول الأخرى ، تهول وتضخم من ذلك الحدث وتسلط الأضواء عليه بكل الوسائل والطرق وبكافة الأساليب والإمكانيات المتاحة لديها ، لدرجة أن أصبح الناس مذهولين ومندهشين من جسامة ما رأت وشاهدت عبر الفضائيات وأجهزة الإعلام في العالم مع العلم بأن بعض تلك المقابر الجماعية كانت موجودة في العراق منذ سنوات طويلة ، وأجهزة الإعلام كانت على دراية تامة بها ، ولكنها إلتـزمت الصمت والتعتيم عليها وظلت طي الكتمان وفي عالم النسيان شأنها في ذلك شأن الكثير من القضايا الأخرى .إن أميركا وبعض الدول الأوربية هي التي مدت وزودت نظام صدام بأسلحة الدمار الشامل وغيرها من الأسلحة المتطورة والحديثة ، إدبان حربه على إيران في العام 1980 م ، ولقد إستخدم صدام الأسلحة الكيماوية بالفعل في ضرب الجيش الإيراني إثناء تلك الحرب وتوفي العديد منهم بعد معاناة قاسية من آثار تلك الأسلحة الفتاكة.وأرسلت إيران مجموعات من جرحى الأسلحة الكيماوية إلى ألمانيا ودول أوربية أخرى للعلاج ، لتكون بمثابة الحجة والبرهان عليهم ، ولتثبت للعالم بالواقع الملموس والدليل القاطع بأن العراق قد إستخدم - بما لا يدع مجالا للشك والريبة - لأسلحة الدمار الشامل المحرمة دوليا والتي قد منحته إياها الدول الكبرى .ولكن العالم بأجمعه وبقيادة أميركا إتخذ من صمت القبور إسلوبا ومنهجا له للتهرب عن إدانة العراق ومن منحوه تلك الأسلحة الفتاكة ، وإلتزمت يومها هيئة الأمم المتحدة الصمت المقيت وغطت في سبات عميق ، وعندما ضرب صدام مدينة حلبجة في الشمال العراقي والتي تسكنها غالبية كردية ، وإرتكب بحقهم مذبحة جماعية وكانت بمثابة الجريمة الكبرى بحق البشرية جمعاء ظهرت بعض الإدانات الخجولة هنا وهناك ، ومن ثم أسدل على تلك الجريمة الستار وأصبحت نسيا منسيا .وها هي أميركا العظمى داعية الديموقراطية والعدالة والمدافعة عن حقوق الإنسان كما تدعي ، ترتكب أبشع الجرائم بحق الشعب العراقي المظلوم الذي كابد المآسي والويلات وتحمل الهوان والإضطهاد طوال أكثر من ثلاثة عقود ونيف ، وجره النظام البائد إلى حروب مدمرة حصدت أرواح الملايين من أبناءه ، وتشرد الكثيرون في أقطار الأرض عن وطنهم هربا من بطش وطغيان صدام و جلاوزة نظامه الجائر .وإن أميركا إدعت بأنها ستكون المنقذ والمخلص للشعب العراقي من براثن الأسد الهصور المهيب الركن صدام حسين ، وإنها ستنشر المحبة والسلام والحرية والعدالة والديموقراطية في ربوع العراق الجريح وستجعل منه واحة فيحاء وارفة الظلال تتمتع بالديمقراطية العريقة ، وستقتدي بها الدول المجاورة ، ودول العالم الأخرى وستسير على خطاها .وهاهي أكثر من عام ونصف مرت على شن الحرب الظالمة على العراق ، و الأوضاع لا تزال تتدهور من سيء إلى أسوأ ، وإنفلت زمام الأمور من يد قوات الإحتلال وحكومتها المؤقتة في العراق ، وتصاعدت أعمال العنف والعنف المضاد ، وتصاعدت وتيرة المقاومة الوطنية الباسلة ، وإنتهز القتلة والإرهابيون الفرص لتنفيذ خططهم الإرهابية لضرب المصالح الوطنية وذلك بتفجير أنابيب النفط وضرب البنى التحية وغيرها من إعتداءات سافرة وقتل الأبرياء والمنتسبون للشرطة ورجال الأمن وإغتيال القيادات والرموز الوطنية والدينية والسياسية بسياراتهم المفخخة ، والتي طالت أيضا المساجد ودور العبادة والكنائس وأشاعت الفوضى والدمار والخراب في ربوع العراق .وإتخذت قوات الإحتلال الأميركي من وجود تلك العناصر الإرهابية ذريعة في مهاجمة بعض المدن والقرى العراقية وقصفها بالطائرات المحملة بالقنابل والصواريخ وهدم المنازل على رؤوس ساكنيها ، في مجازر جماعية للشعب العراقي ، محتذية ومقتدية بنفس الإسلوب الذي يقوم به الكيان الصهيوني من قتل ودمار وإغتيال وقصف المدنيين بالصواريخ والتمادي في إستخدام القوة المفرطة ضد العزل والأبرياء والأطفال وهدم البيوت على ساكنيها في فلسطين المغتصبة بهدف الإبادة الجماعية .متجاوزون و منتهكون ومستهترون بكافة القوانين والأنظمة الدولية وأبسط أنظمة حقوق الإنسان ، وأصبحت أميركا تتمادى في إستخدام حق الفيتو حماية للكيان الصهيوني من أية إدانة دولية ، ولتعطي الضوء الأخضر له وتشجعه ليتمادى في إرتكاب جرائمه الوحشية والهمجية بحق الأبرياء في فلسطين المحتلة .فأميركا اليوم التي تعتبر نفسها القطب الأوحد في العالم ، ترتكب أبشع الجرائم بحق الشعوب المظلومة ، وخاصة في العراق وأفغانستان ، في ظل صمت عالمي مطبق من قبل الدول الكبرى التي أصبحت تخشى عنجهية وغرور أميركا ، وهيئة الأمم المتحدة التي أصبحت رهينة لغطرسة وهيمنة أميركا ، وباتت الشعوب المغلوبة على أمرها هي التي تدفع الثمن دائما ، وتكون هي الضحية التي يطالها الدمار والفناء ولا تجد من يدافع أو يدود عن حياضها وديارها .فأميركا والدول التي تسير في فلكها هي السبب الرئيسي والمسئولة مسئولية مباشرة عن الجرائم اللا إنسانية التي إرتكبها صدام ونظامه البائد وما خلفه من مقابر جماعية ، كانت موجودة منذ إستيلاء ذلك النظام القمعي الديكتاتوري على سدة الحكم ، ونصبه أعواد المشانق في كل شارع وحارة وزقاق ، ولم يتوقف نزيف الدماء حتى سقوطه في التاسع من إبريل من العام 2003 م حيث أطاحت به أميركا وإستولت على زمام الأمور ، والغريب في الأمر أنها قد سارت على نهجه في القمع والقتل والدمار ومارست أبشع الأساليب العدوانية بحق الشعب العراقي ، وأخرها وليس أخرها المجازر الجماعية التي تخلف العشرات بل المئات من القتلى والجرحى في كل يوم ، مستخدمة أحدث ما لديها من ألآت حرب ودمار ، وطائرات ومعدات عسكرية متطورة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق