ضرب على الوتر الحساس فأصاب كبد الحقيقة
بقلم : محمد خليل الحـــوري (أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، قال في كلمة افتتح بها "منتدى الدوحة السنوي للتنمية" والتي ألقاها نيابة عنه رئيس مجلس الوزراء الشيخ عبد الله بن خليفة آل ثاني: " إن غياب الديمقراطية والتواني عن الإصلاح قادا إلى معظم صور المعاناة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، وأن الإصلاح السياسي والمشاركة الشعبية في صنع القرار لم تعد قضية اختيارية، وإنما باتت ضرورة تصل لدرجة الحتمية، وأن الإصلاح المستدام يستوجب "ألا يكون الحماس فيه موسميا" ومرتبطا بضغوط دولية بل يجب أن يكون نابعا عن قناعة "). لقد ضرب سمو أمير دولة قطر على الوتر الحساس فأصاب كبد الحقيقة، وأوضح حقيقة يلمسها الجميع - قيادات وشعوب - في منطقة الخليج بشكل خاص، وفي بقية الدول العربية والإسلامية بشكل عام، وهي ضرورة المبادرة وحتمية القيام بإجراء الإصلاح السياسي الشامل على الأنظمة الحاكمة في تلك الدول، فالنظام الديمقراطي سيفسح المجال واسعا للشعوب لكي تنعم بمجال كبير من الانفتاح السياسي والتمتع بالحصول على مساحة كبيرة من الحريات العامة، وأهمها حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والنشر. والصحافة - من مهماتها الرئيسية الملقاة على عاتقها هي أن تقوم بدور فاعلا ومؤثرا يليق بها - كسلطة رابعة في الدولة - لتراقب وتنتقد وتنصح وترشد وتسمي الأشياء بمسمياتها، وتضع النقاط على الحروف وتوضح وتزيل الغموض عن الكثير من الأمور والقضايا المبهمة، ليكون لأصحاب وصناع القرار والشأن علما ودراية بما يجري ويدور من حولهم وفي أروقة وزاراتهم ومؤسساتهم الحكومية، فيعمدوا بإصلاح ما اعوج وفسد من أمور وشـؤون تهم المواطـن والوطـن، ويجب أن لا تكون الصحافة بوقا أجوفا للدعاية والتمجيد بالسلطة، أو جوقة للمطبلين والمزمرين تكون في خدمة المتنفذين أو هذا الطرف أو ذاك أو لمن يدفع أكثر، وأن تبتعد عن ميادين الشحن والتحريض والتأليب، وإشعال الفتن وإثارة النعرات الطائفية والقبلية والعرقية، وكل ما من شأنه أن يمس اللحمة الوطنية ويعمل على زعزعة الأمن والاستقرار فيها، ويهدد السلم الأهلي والترابط والتلاحم بين أبناء الوطن الواحد.وغياب الديمقراطية الحقيقية في كثير من المجتمعات العربية قد خلق وساعد في ظهور الكثير من المفاسد والآفات الاجتماعية كالفساد المالي والإداري والتمييز والطائفية وتفرد جماعات في التلاعب وسرقة المال العـام - بلا رقيب ولا حسيب - وهذا بدوره قد صعد من انتشار الأزمات الاقتصادية كالتضخم والعجز في الموازنات العامة وظهور الإفلاس الإكتواري في المؤسسات الحكومية، وانتشار الغلاء الفاحش وتدني الأجـور، ما أدَّى إلى تفـاقم الأزمـات الاجتماعية كالفقر والبطالة وانتشار الفساد الأخلاقي والخلقي وبروز الفوارق الطبقية في المجتمعات فأصبح هناك الغنى الفاحش والفقر المدقع يسود في تلك الدول وتتصاعد وتيرته بشكل مخيف.ولم يبق أمام تلك الأنظمة الحاكمة إلاّ أن تسارع بالأخذ بزمام المبادرة وتباشر بإصلاح سياسي شامل وجوهري وحقيقي على أنظمتها المتهرئة، وأن تفسح المجال لشعوبها باستنشاق الهواء النقي بعيدا عن الأجهزة القمعية والبوليسية التي تسلطها على رقاب شعوبها وتضيّق الخناق عليها، وأن تزيح الحرس القديم الذي يفرض سلطته وسطوته على كافة أجهزة تلك الدول ومؤسساتها، فالإصلاح السياسي والمشاركة الشعبية في صنع القرار لم تعد نزهة برية أو رحلة بحرية لشم الهواء الطلق وتجديد النشاط، ومن ثم العودة إلى ممارسة الأعمال والممارسات والطقوس القديمة البالية، وإنما أصبح نتيجة حتمية مفروضة – شاء أم أبى- حكام تلك الدول، وحتى لو استدعى الأمر عليهم أن يقبلوا ذلك على مضض، ويوجب عليهم أن يتجرعوا ذلك الأمر كما يتجرع المريض الدواء المر، ولم يعد لهم إلاّ أن يسلموا بالأمر الواقع، ويتقبلوا هذا الواقع بكل صبر وجلد، وليعلموا بأن التغيير هو سنة الحياة.وعلى هؤلاء الحكام أن يقتنعوا بأن دوام الحال من المحال، وأن التغيير قادم بلا شك ولا ريب وليس لهم عن كل ذلك من فكاك، ولن يتمكنوا من التملص أو التهرب منه مهما بدلوا ومهما عملوا لأن شعوبهم مصرة وتواقة على خوض غمار هذا التغيير، وإجراء الإصلاحات الشاملة، بالإضافة إلى الضغوط الدولية عليهم والمتصاعدة من كل حدب وصوب، وإذا ما اقتنعوا بذلك وأصبح التغيير حقيقة مؤكدة أمامهم، وباتوا مقتنعين بأن التغيير نابعا نتيجة لقناعاتهم الشخصية وإدراك تام بأهميتة وتأثيره في المحافظة على حقوق الشعوب وحصولهم على المزيد من الحريات العامة، وإفساح المجال واسعا لهم للمشاركة في صنع القرار، وإطلاق العنان لهم لينعموا بكل الحريات والممارسات الديمقراطية التي تنعم بها شعوب دول الديمقراطيات العريقة منذ مئات السنوات، فعليهم أن يسارعوا بلا تردد في تبنيه ليكون إصلاحا مستداما. مع الأخذ في الاعتبار بان ما تلوح به أميركا من خلال دعواتها المتكررة والمستمرة للتغيير والأخذ بالإصلاح السياسي وتطبيق النهج الديمقراطي، وفرضه على الدول لم يكن حبا في مصلحة الدول والشعوب، وإنما تسعى أميركا من وراء ذلك إلى فرض هيمنتها وسيطرتها والتدخل في شؤون تلك الدول، لتتمكن من فرض إملاءاتها وشروطها تحت حجج و ذرائع مختلفة، وما مشروعها الاستعماري (مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الأكبر) إلاّ واحدا من ضمن تلك المخططات المشبوهة، وعليه فيجب أن يكون التغيير وإجراء الإصلاحات السياسية من الداخل لتفويت الفرصة على أميركا والدول الأوربية التي تحذو حذوها من التدخل وفرض القيود والوصايا على تلك الدول وشعوبها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق