إنه الحقد الأسود .. والكراهية العمياء .. التي تجعل الإنسان لأن يتخلى عن إنسانيته
بقلم : محمد خليل الحوري
العمل الإرهابي والإجرامي الذي وقع في الجامعة المستنصرية - كلية الإدارة والإقتصاد في بغداد هو عمل جبان ومدان .. وقد نفذت تلك العملية الإرهابية .. فتاة إرهابية خطيرة إنخرطت بين صفوف الطلاب والطالبات .. شحونها الحاقدون بكمية كبيرة من الحقد الأسود والكراهية العمياء .. فاقت على كمية المتفجرات التي شحنوا وحشوا بها حزامها الناسف .. وهي مغرر بها ومدفوعة بدوافع الطائفية البغيضة والحقد الأسود الكريه.. كما حرضوا وغرروا بالمدعوة ( ساجدة الريشاوي ) التي أرادت أن تفجر نفسها في فندق راديسون في الأردن بين جمع من المحتشدين في قاعته .. ولكن شاءت إرادة الله أن يتعطل زناد التفجير .. وتقع في شر وبال أعمالها .. ويلقى القبض عليها وتحاكم .. ومن ثم يحكم عليها بالإعدام شنقا حتى الموت كما حكم على الطاغية المقبور .
تلك الإرهابية التي فجرت نفسها بين جمع من الطلبة والطالبات وهم يهمون بالخروج من حرم الجامعة .. حيث سقط أكثر من أربعين شهيدا مضرجا بدمه .. وعشرات الجرحى الذين سيظلون يعانون العذاب فترات طويلة .. وربما يتعرضون لعاهات مستديمة يقاسون منها طوال حياتهم .. وهذه العملية واحدة من مئات بل ألوف العمليات الإرهابية والإجرامية التي راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء .. ووقع أمثالهم من الجرحى المعذبون والمشوهون الذين سيظلون يعانون ويكابدون الويلات طوال حياتهم .. ويتسببون لهم ولعائلاتهم المزيد من المتاعب والمعاناة القاسية .
ألم يفكر هؤلاء الإرهابيون الوحشيون والمحرضون والداعمون والمساندون لهم ، ما هو ذنب هؤلاء الطلبة والطالبات وغيرهم من أبناء الشعب العراقي الذين يتعرضون للقتل والإبادة الجماعية ، وتحويل أجسادهم وأوصالهم إلى أشلاء متطايرة .. وهم يقومون بتصعيد وتيرة التفجيرات بالسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة ، التي يتعمدون تفجيرها بين صفوفهم في الأسواق الشعبية والمساجد ، وتجمعات العمال الكادحين والفقراء الذين يبحثون عن لقمة العيش الشريف .. وغيرها من الأماكن العامة التي يتواجد بها مثل هؤلاء الكادحين والمظلومين من كافة أبناء العراق .. الذين لم يصدقوا بأنهم تخلصوا من طغيان وجور الطاغية .. حتى تحل عليهم شراذم الإرهاب من كل مكان .. وتقلق راحتهم وتهدد أمنهم وسلامتهم وإستقرارهم .. فتحيل حياتهم إلى ليل مظلم طويل وجحيم مخيف لا يطاق .
ما ذنب الأبرياء من الشباب والشيوخ والأطفال والنساء .. الذين يفجر هؤلاء الإرهابيون حقدهم الأسود فيهم .. و يزرعون الكراهية العمياء في كل مكان إنتقاما منهم لكونهم قد ساهموا في العملية الديمقراطية وتوجهوا إلى صناديق الإقتراع .. مساهمة منهم لدعم العملية السياسية في البلاد .. ليحققوا ما كانوا يحلمون به من حرية وعزة وكرامة .. أو إن المسألة أكبر من ذلك بكثير وهناك أسباب إستراتيجية وإيديولوجية وسياسية .. فالطائفية البغيضة والأحقاد الدفينة السوداء .. وكرسي الحكم والملك العضوض .. هي التي تجعلهم يتشبثون بكل تلك الذرائع والحجج الواهية .. وإطلاق التهم جزافا وإصدار الفتاوي التي تكفر الآخرين ، وتجيز قتلهم وتصفيتهم بدم بارد .. وبالتالي إعطاء أنفسهم صلاحيات ليست من حقهم .. فيصدروا الأحكام على هؤلاء الأبرياء .. وينفذوا فيهم الأحكام قتلا وتفجيرا وتدميرا .. ويعتبرونها أحكاما وفتاوي شرعية نافذة .. ولقد أحشوا فكرهم وخدعوهم بأن من يفجر نفسه في جموع الأبرياء يكون شهيدا من الدرجة الأولى .. سرعان ما يصل إلى الجنة ويتشرف بتناول وجبة الغذاء أو العشاء مع رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - وهو شرف عظيم لا يناله إلاّ مثل هؤلاء المغرر بهم من القتلة والجهلة والسفهاء .
ما ذنب هذا الشعب المظلوم والناس الأبرياء .. الذين قد يكون الكثير منهم لا يؤيدون النظام الجديد .. وقد يكون الكثير منهم ليس له ناقة ولا جمل في ما يحدث وما يدور حولهم .. وقد يكون الكثير منهم من قوميات وديانات ومذاهب مختلفة .. ولكن من الواضح بأن الهدف الرئيسي من كل تلك المجازر والمذابح التي يرتكبونها .. هو خلق حال من الفوضى وعدم الإستقرار .. من أجل إفشال العملية السياسية برمتها .. والكثير من تلك العمليات الإرهابية يتزعمها سياسيون وزعماء أحزاب يشاركون في العملية السياسية ، وبينهم عناصر من فلول النظام المقبور الذين رفعوا راية الإسلام وتحالفوا مع الإرهابيين من القاعدة وغيرهم من الدخلاء على العراق ، والذين قدموا من دول الجوار ودول عربية وإفريقية .. بالإضافة إلى كون كافة مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن والجيش والشرطة مخترقة من قبل هؤلاء الإرهابيون الذين لا يريدون للعراق أن يستقر والأمن فيها أن يستتب .. ظنا منهم بأن الضغط على قوات الإحتلال .. سيضطرها للتفاوض معهم .. وتكون لهم فرصة سانحة للتسلق على أكتاف الآخرين .. ومن ثم الإنقضاض على السلطة والإستيلاء على كرسي الحكم .
إنها جرائم يندى لها جبين البشرية جمعاء .. وترفضها وتنبذها حتى الكلاب الضالة والوحوش الكاسرة .. والتمادي في إرتكاب مثل تلك الجرائم يدل دلالة مؤكدة .. بأن هؤلاء القتلة وسفاكي الدماء .. الذين أعمى الحقد الأسود والكراهية العمياء بصيرتهم فقست وتحجرت قلوبهم وعقولهم .. فراحوا يقتلون ويدمرون ويهلكون الحرث والنسل دون وازع من ضمير أو رادع من دين .. وهم لا يعون ولا يفقهون بما يفعلون .. فأصبح الإرهاب المدمر يسري في دمائهم .. وما يمارسونه من أعمال وحشية هوايتهم ونهجهم المفضل .. وعملهم اليومي الممنهج الذي إعتادوا وتعودوا عليه في قتل وسفك دماء الأبرياء بدون مبرر أو داع ...
والأدهى من ذلك بأن هناك من يعتبرون أنفسهم من علية القوم وكبار رجالاتها .. ويمدون يد العون والدعم والمساعدة لتلك الزمر الإرهابية بالمال والعتاد ويوفرون لهم السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة .. لمساعدتهم في إرتكاب كل تلك الجرائم البشعة ومواصلة الإثم والعدوان على الأبرياء .. والتغرير بالجهلة والسفهاء من المشردين والضالين .. وتضليل الرأي العام العالمي وخداع السذج والبسطاء من الناس .. بأن من يقومون بمثل تلك الأعمال الإجرامية والوحشية هم رجال مقاومة .. هدفهم إخراج المحتل من بلادهم .. وتروج لذلك وسائل الإعلام المأجورة والطائفية والحاقدة والماكرة .. والتي هي دوما تبحث عن الشهرة والسبق الإعلامي والصحفي ، لتغطي وتحجب – عن الناس - أحداث وقضايا مهمة تهدد مستقبل الأمة .. وتقض مضاجع الشعوب وكل الشرفاء من هذه الأمة .
ألم يخجل هؤلاء الشواذ من أنفسهم .. ألم يشبعوا من الولوغ في دماء الأبرياء .. ومواصلة الإعتداء على الآمنين وإراقة دماءهم بشكل يومي وفي مواقع مختلفة .. من أجل الإنتقام والإقتصاص منهم .. لأنهم رفضوا الظلم وأساليب القمع والإرهاب التي مورست عليهم طوال أكثر من ثلاثة عقود .. وكابدوا ما كابدوه من جوع وحرمان وبؤس وتهجير وملاحقة .. وزج في السجون وتعذيب وحشي ومعاناة قاسية .. وقتل جماعي وإرهاب دولة منظم وإغتيال القادة والعلماء والمناوئين لهم .. وإنتهاك لكل المحرمات والقيّم والمبادئ .. وإعتداء صارخ على شرف المواطن وعزته وحريته وكرامته .
وهناك من الدول وأجهزة مخابراتها تعمل على تأجيج الأوضاع .. وتعميق الخلافات وإثارة وإشعال نار الفتن الطائفية .. والترويج لها عبر وسائل وأجهزة الإعلام فيها .. التي تستضيف الشخصيات - التي تدور حولها الشبهات - وزعماء الأحزاب الموالية للنظام المقبور .. لتثير وتؤجج النزعات الطائفية البغيضة بين فئات الشعب العراقي .. وهؤلاء الزعماء أنفسهم هم من يدعم ويأوي ويمول العصابات الإرهابية .. ويروج لها بأنها مقاومة شريفة هدفها إخراج قوات الإحتلال من العراق .. في حين تتواصل العمليات الإرهابية التي تقع ضد المدنيين الأبرياء بصورة يومية .. وهي تعتبر جرائم حرب وإبادة ضد الإنسانية والبشرية بحق أبناء العراق الجريح .
فمن يتحمل مسؤولية أنهار الدماء التي أُريقت .. وملايين الأرواح التي أُزهقت .. والجرائم الوحشية التي أُرتكبت .. هل هو الإحتلال الأميركي البغيض أم عصابات الإرهاب من فلول النظام المقبور وغيرهم من مرتزقة ، ومن يقف خلفهم ويساندهم ويدعمهم بشتى الوسائل والطرق .. أم هي الدول الأخرى التي تتغاضى عن تسلل بعض مواطنيها إلى العراق لينفذوا أبشع العمليات الإرهابية فيها .. أم هي مسؤولية الدول العربية كافة لكونها تركت الحبل على الغارب .. وأصبحت تتفرج على ما يجري في العراق . . وما تقوم به تلك العصابات الإرهابية من قتل وتنكيل ودمار وخراب .. ونأت بنفسها عن دعم العملية السياسية لأنها جاءت بما لا تشتهي سفنها ، وبما لا يتناسب مع أهواءها وأمزجتها وميولها ، وخاصة تلك الدول التي دعمت بالأمس النظام المقبور ومدته بالمال والعتاد والسلاح .. وجلبت له الصواريخ بعيدة المدى من بلاد الواق الواق .. وشرعت أبواب خزائنها – في كرم عربي منقطع النظير ، وتبرعت نساء شعوبهم بمجوهراتهن وما يملكن من كل غال ونفيس .. وتحملت تلك الأنظمة على مضض الكثير من الجهد والمشقة والعناء ، وروجت ولأول مرة في تاريخها تعاليم ومفاهيم عن الزهد والتقشف وعدم الإسراف .. لتوفر ثمن تلك الأسلحة الباهظة التكاليف ، وغيرها من مصاريف الحرب التي ضلت أوارها مشتعلة ومتقدة طوال ثمان سنوات ، وهي التي جعلت هذه الدول تعاني من عجز في ميزانياتها ....
أما حان لهذا الشعب المعذب والوطن الجريح أن يتنفس الصعداء .. وأن يعيش في راحة بال وأمن وهدوء وإستقرار .. وأن يمارس حياته الطبيعية في ظل الديمقراطية والمحبة والسلام والحرية والعزة والكرامة .. شأنه في ذلك شأن بقية دول وشعوب العالم الأخرى .. بعد رحلة طويلة من المآسي والويلات والعذاب والمعاناة .