الجمعة، فبراير ٢٣، ٢٠٠٧

كل يــــــــوم عاشوراء .. رؤيـــة مغايــــــرة

بقلم : نــــزار حيـــدر NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM ترى، هل عنى الشاعر بقوله؛ كل يوم عــــــــــــــــــــاشوراء وكل ارض كــــــــــــــــــــــربلاء والذي تحول الى أنشودة وشعار في وعي ولا وعي الاجيال على مر الزمن، هل عنى به أن نرى الحسين مقتولا كل يوم؟ وأن نرى دماء السبط مراقة كل يوم على كل شبر من وجه البسيطة؟. هل هي دعوة لقتل الحسين وأهل بيته وأصحابه الميامين، كل يوم وفي كل أرض؟ اينما وجدناه، واينما حل وارتحل؟. هل هي دعوة لفسح المجال امام يزيد بن معاوية ليحكم الناس في كل عصر ومصر؟ ليعيد الكرة فيقتل ريحانة رسول الله (ص) السبط الشهيد؟. شخصيا، لا ادري بالضبط ماذا عنى الشاعر في بيت الشعر هذا، ولكن دعوني هنا ان افترض ما عناه، من خلال رؤيتي للحدث المهول الذي شهدته ارض كربلاء الطاهرة ظهيرة يوم العاشر من المحرم عام (61) للهجرة، من خلال ما يمكنني ان استقرأه من قول الشاعر الآنف الذكر. دعونا نبدا من دمعة الحسين في ذلك اليوم، وهي الدمعة التي تختلف بمعانيها كليا عن دمعة العقيلة زينب في نفس اليوم، بفارق ساعات من الزمن فقط. فالحسين بكى قاتليه، اما زينب فقد بكت الحسين. لكل دمعة، اذن، رسالة تختلف عن الاخرى. فلماذا بكى الحسين اعداءه؟ وما هي الرسالة التي اراد ان يبعث بها، عبر التاريخ، الى كل الاجيال التي سترث الارض من بعده؟. ولماذا بكت زينب اخيها الحسين؟ وهل من رسالة في دمعتها؟. لقد بكى الحسين عليه السلام أعداءه لأنهم (مظلومون) ظلموا انفسهم، فباؤوا بالخزي في الدنيا واشد العذاب في الآخرة، فالحسين لم يبك ظالما ابدا، والى هذا المعنى تشير الآية القرآنية الكريمة {واذ قال موسى لقومه، يا قوم انكم ظلمتم انفسكم، باتخاذكم العجل، فتوبوا الى بارئكم، فاقتلوا انفسكم، ذلكم خير لكم عند بارئكم}. لقد اختار لهم ربهم الدنيا والآخرة، فخسروا الاثنين، واختار لهم الحياة فاختاروا الموت، واختار لهم السعادة فاختاروا الشقاء، واختار لهم الحرية والعزة والكرامة، فاختاروا العبودية والذل والمهانة، ولكل ذلك باؤوا بغضب من الله تعالى، اولئك الذين يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، بظلمهم انفسهم، فكانت دمعة الحسين عليهم من اجل تنبيههم الى ذلك، ولالفات وعيهم الى الحقيقة. لقد سعى الامام كثيرا وطويلا لردع اعداءه عن ارتكاب فعلتهم الشنعاء، وبذل جهدا كبيرا من اجل ذلك، من خلال الحوار المباشر تارة وعقد الاجتماعات السرية والعلنية، والخطب العامة، والجدال بالتي هي احسن، تارة أخرى، حتى لا يعتذر احد منهم يوم القيامة بالجهل بالامور، او انه لم يكن على علم بحقيقة الاحداث. لقد حاول الحسين عليه السلام رفع الغشاوة عن بصائر الناس، واطلاعهم عن الحقيقة كاملة، كما حاول ان يضعهم امام الامر الواقع، بكامل وعيهم ومعرفتهم، لماذا؟ لأنه يحب الانسان الذي كرمه الخالق جل وعلا، فكان يكره ان يكون سببا لشقاء الانسان مهما كانت هويته وديانته وانتماءه وعنصره وجنسه، ولذلك قاتله (عربا) اقحاحا، و(مسلمين تعرفهم بسيماهم) و(رجالا اشداء) فيما استشهد معه وبين يديه (مسيحيين) ونساء وأطفال، لأن القضية لم تكن قضية سلطة يتقاتل عليها الفريقان، ابدا، كما انها لم تكن قضية قومية او مذهبية او عنصرية او حتى دينية، وانما كانت قضية انسانية مقدسة تجلى فيها معسكران، احدهما يمثل الحق فيما يمثل الآخر الباطل، احدهما يمثل الانسان وقوى الخير التي اودعها الله فيه، والثاني يمثل كل قوى الشر التي في داخل الانسان، كما في الآية المباركة {ونفس وما سواها، فالهمها فجورها وتقواها، قد افلح من زكاها، وقد خاب من دساها} ولذلك لم يغلق الحسين بابه بوجه احد من الناس ابدا، بغض النظر عن دينه او قوميته او جنسه، فكان باب الله تعالى وسفينة النجاة لمن شاء واحب ان يركبها ليحيا حياة طيبة في الدنيا وينجو بها يوم الفزع الاكبر. لقد بكى الحسين قاتليه، قبل ان يتورطوا بدمه الزكي، وهو يرى فشل كل محاولاته الانسانية والدينية التي بذلها من اجل انقاذهم من النار بسببه، وهم الذين تمثلوا بقول الله عز وجل {أفأنت تنقذ من في النار}. كانت دمعة الحسين انسانية، حاول بها انقاذ الانسان من الجهل والظلالة وسوء المنقلب والعاقبة، الا ان القوم فهموا الرسالة بالمقلوب، وفسروها خطأ، عندما تصوروا بانه يبكي نفسه، لأنه قريبا سيغدو مقتولا. ان دمعة الحسين على قاتليه في عاشوراء، تجلي البعد الانساني في ثورته المباركة وحركته الخالدة في ابهى صوره، والا بالله عليكم، هل رايتم او سمعتم قتيلا يبكي قاتليه؟. ولأن ثورة الحسين انسانية ورسالية، فهو لم يستعجل القتال، اذ لم يكن هدفه القتال لذاته، وانما من اجل الانسان، فاذا كان المنطق والحوار والخطاب، طريق الى حماية الانسان من نفسه الامارة بالسوء، فلماذا اللجوء، اذن، الى السيف؟. لقد حاول الحسين استفراغ كل طاقته في الحوار قبل ان يرد على رسل القوم (النبال) التي صوبوها باتجاه معسكره ليستعجلوه القتال، ولو كان الامام لا يحب الانسان، لاستعجل القتال ليعجل بقاتليه الى النار، كما يفعل من يكرهون الانسان، ويحبون توريطه من خلال استدراجه الى مكامن الخطا والجريمة، اما الحسين فقد سعى الى تنبيه الانسان الى خطئه وجريمته، في محاولة انسانية منه لانقاذه من براثن الجريمة. انه فعل ازاء قاتليه، ما فعله ابوه الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، الذي ظل يحاور (الخوارج) حتى عدل عن مقاتلته عشرات الآلاف منهم، كما تذكر ذلك كتب التاريخ، فبالكلمة حقن الامام دماء مغفلين، وبها حاول الحسين ذلك، وبها يحاول المصلحون الانسانيون. فالمصلح، يوفر على الناس دمائهم، والمصلح لا يحب الولوغ في دماء الناس، ولذلك فهو لا يوفر جهدا لتحريم دم الانسان وصونه من الهدر لا زال هناك متسع من الوقت والجهد والوسائل غير السيف والقتل. على العكس من الطغاة والمجرمين الذين يبدأون خطوتهم الاولى نحو الهدف، بهدر الدم الحرام وازهاق الروح المحترمة، وهنا يكمن الفارق الكبير بين المصلح والمجرم، فالاول هدفه حياة الانسان، اما الثاني فهدفه ممات الانسان، الاول يموت هو ليحيا الانسان، والثاني يموت الانسان ليحيا هو، وشتان بين الاثنين. فالمصلح يبدا بالكلمة وقد ينتهي الى السيف، اذا اضطر الى ذلك، اما الظالم فيبدا بالسيف وينتهي اليه، انه يبدا بالدم وينتهي اليه، يبدا بارواح الناس وينتهي اليها. قد يقول قائل، ويسأل سائل: ألم يكن الامام على علم بعنادهم وغيهم وضلالتهم؟ فلماذا، اذن، حاول وعظهم ونصيحتهم؟. وياتي الجواب من القرآن الكريم {معذرة الى الله} كما اجاب المؤمنون الذين استنكر عليهم بعض قومهم وعظهم للكافرين، بقولهم مستنكرين {لم تعظون قوما الله مهلكهم}. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فهي رسالة الى الاجيال والتاريخ، ودرس للجميع، ليمارسوا الوعظ والارشاد حتى مع اعدى اعدائهم واشدهم ضراوة، فما بالك بالمغفلين الذين يعادون المرء عن جهل، قبل ان يقع السيف بين الطرفين، من اجل القاء الحجة اولا ومن اجل انقاذ ما يمكن انقاذه من الجهل والتورط بالدم الحرام، من جانب آخر. لعل من هذا المعنى، يمكن ان نستنبط المفهوم الذي عناه الشاعر في قوله الانف الذكر. فهو دعوة متكررة، لك جيل وعصر، للحيلولة دون قتل الحسين كل يوم، ودون تكرار الحدث الذي شهدته كربلاء، على كل ارض، من اجل انقاذ الانسان من التورط في الجريمة، انها دعوة صادقة من الامام لمنع أعدائنا، وقبل ذلك أعداء أنفسهم، من المغرر بهم الذين غسلت ماكينة الدعاية الاموية المضللة عقولهم واماتت ضمائرهم وحطمت تفكيرهم، من ارتكاب مثل هذه الجريمة المروعة التي سيحجزون بسببها مقعدهم في قعر جهنم، لأن الامام، وهو الرحمة الربانية للبشر، يكره أن يكون سببا لدخول انسان واحد النار، لجريمة يرتكبها بحقه، فكيف يمكن ذلك؟. كيف يمكن ان نحول دون تكرار الحدث المأساوي؟ وكيف يمكننا ان نمنع من تكرار الجريمة؟ وكيف يمكننا ان نكون ممن يحفظ الحسين من القتل ويصون الدماء من ان تراق ظلما على الارض؟ وكيف لنا ان نكون ممن ينتصر للحسين قبل ان يقتل، ولكربلاء قبل ان يسيل عليها دم السبط، وللآل والاصحاب قبل ان يقتلوا بسيف البغي، وللهاشميين والهاشميات قبل ان يأخذونهم سبايا الى الشام؟. الجواب في معرفة اسباب وقوع الحدث المهول، فمن خلال ازالتها، بعد معرفتها، نحول دون تكرار الحدث. فعندما تساس الامة براعي مثل يزيد، الذي قال عنه الامام الحسين عليه السلام مخاطبا الوليد بن عتبة والي المدينة، عندما رفض اعطاءه البيعة (... ويزيد فاسق، فاجر شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق والفجور) عندما تساس الامة بمثل هذا، فعلى الاسلام السلام، وعندما ينزو على منبر رسول الله (ص) رجل كمعاوية بن ابي سفيان، فعلى الانسان السلام، وعندما يتسلل الاعلام الاموي الى كل مكان، الى البيت والمدرسة والمسجد والسوق والى مخادع الناس، فعلى الحرية والكرامة والعزة السلام. دعونا اولا نمنع من انعقاد سقيفة في الامة، ثم نجاهد للحيلولة دون ان ينزو على السلطة حاكم كمعاوية بن ابي سفيان يحول الناس الى عبيد والمال الى دولة بين الاغنياء فيحرم منه فقراء الامة ويتخم آخرين، ويسخر خزينة البلاد لتحقيق رغباته الذاتية ونزواته الشخصية، فيصرفها لشراء الذمم وصناعة الدعاية السوداء المضللة واختلاق الاحاديث والروايات الباطلة على لسان رسول الله (ص) كل ذلك من اجل تحويل الحكم الاسلامي الى ملك عضوض يتوارثه الطلقاء وابناء الطلقاء، فيحكم الامة باسم الاسلام، مثلا، رجل كيزيد الذي يشرب الخمر ويلعب بالقرود ويقتل النفس المحترمة، ثم يدعو له ائمة المسلمين من على منابر الجمعة، كخليفة. أية مهزلة في التاريخ هذه؟ بل أية مهزلة على مر التاريخ هذه؟ ففي كل يوم لنا يزيد حاكما وفي كل يوم لنا معاوية خليفة للمسلمين وفي كل يوم لنا سقيفة وفي كل يوم لنا فتاوى تكفيرية ودعاية سوداء تضلل الناس وتغسل الادمغة واخيرا تقتل الحسين؟. هنا مربط الفرس، اذن، فاذا حكم البلاد رجل كيزيد علينا ان نستعد لسماع نبأ قتل الحسين، واذا اعتلى منبر رسول الله رجل كمعاوية الذي قال للمسلمين في اول خطبة جامعة في مسجد الكوفة{ يا اهل الكوفة، اتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج؟ وقد علمت انكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكني قاتلتكم لأأتمر عليكم وألي رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون، الا ان كل دم اصيب في هذه مطلول، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين}اذا اعتلى منبر الرسول رجل كهذا، فعلى الامة ان تتوقع قتل الحسين بين لحظة واخرى. لذلك، اذا اردنا ان لا يتكرر المشهد الكربلائي في كل يوم وفي كل ارض، علينا اولا ان نمنع سقيفة ولا نقبل بمعاوية خليفة او يزيد حاكما، وان نقاطع الاعلام الاموي ولا نصغ الى اقوال المرجفين في المدينة، ونسير بركب الحسين، مهما غلا الثمن وكبرت التضحيات، فالحياة بلا كرامة موت في الدارين، والموت بعز حياة في الدارين، اليس كذلك؟. كذلك، على الامة ان تقف مع الحسين حيا، ولا تنتظر ان يقتل فتبكيه ميتا، وهذا يتطلب منها ان تنصره وتنتصر له فارسا، قبل ان يترجل من على صهوة جواده، كيف؟. ان الحسين عليه السلام قيم ومبادئ وافكار ومناقبيات ورسالة، انه ليس مجرد ثائر من اجل سلطة، او مغامر من اجل حكم، ابدا، والى هذا المعنى اشار عليه السلام بقوله {الا واني لم اخرج اشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي رسول الله (ص) وابي علي بن ابي طالب عليه السلام، اريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله اولى بالحق، ومن رد علي هذا، اصبر حتى يحكم الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين}. هدف الحسين، اذن، كان الاصلاح اولا واخيرا، اصلاح ما فسد من حال الامة على يد الحكومات والانظمة التي تعاقبت على الحكم من بعد وفاة رسول الله (ص) واصلاح ما افسدته القوى الاجتماعية التي ملكت المال والاعلام وتاليا السلطة. لقد جاد الحسين عليه السلام باغلى ما عنده من اجل تصحيح مسار الامة، واعادتها الى جادة الصواب والحق والعدل والانصاف، من اجل ان تحيا حرة كريمة وسعيدة بين امم الارض. ان نتيجة حكم السلطات الظالمة للامة، يمكن تلخيصه بما يلي؛ اولا؛ تغيير مسار النظام السياسي، من نظام يعتمد الشورى والانتخاب والبيعة والتداول السلمي للسلطة، الى نظام يعتمد الوراثة في اعتلاء السلطة، واخذ البيعة بالعنف والاكراه، وتاليا القتل والاغتيال والتآمر كأدوات يعتمدها المتصارعون على السلطة للفوز بها، وبقراءة سريعة لتاريخ المسلمين، والنماذج الكثيرة التي ترويها كتب السيرة والخلفاء والسلاطين، يتضح لنا هذا المعنى جليا، لدرجة انه يزكم الانوف بفضائحه، ويخجل منه المرء الذي يكره الانتساب الى مثل هذا التاريخ، المهزلة. ثانيا؛ محو القيم الانسانية التي اعتمدها الاسلام في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الناس انفسهم، صغيرهم وكبيرهم، غنيهم وفقيرهم، عالمهم ومتعلمهم، نساءهم ورجالهم، وبين اركان الحكم انفسهم، كقيم المساواة والرأفة ومبدأ تكافؤ الفرص، والتكافل الاجتماعي والحرية والكرامة والصدق والتسامح والتعاون على البر والتقوى والايثار وغير ذلك من المعاني والقيم السامية التي جاء بها الاسلام العظيم، لتحل محلها، في ظل الانظمة الفاسدة والمستبدة، سياسات الأثرة والاقصاء والتمييز العنصري والطائفي والعشائري والعبودية والاكراه وروح الانتقام والذلة وغيرها من السياسات التي دمرت الامة، فتقهقرت الى الوراء لتصبح في آخر القافلة الانسانية وفي نهاية مسيرة البشرية. لقد عنى الشاعر، اذن، ان كل يوم هو زمن مفتوح للصراع بين الحق والباطل، وان كل ارض هي ساحة مفتوحة لهذا الصراع، وان على اهل الحق ان يواجهوا الظلم صغيرا قبل ان ينمو ويكبر فيتمكن من قتل الحسين، وبذلك فقط يمكنهم ان يحولوا دون تكرار تراجيديا كربلاء بكل فصولها المهولة وتفاصيلها المرعبة والاليمة. اما دمعة زينب عليها السلام، فقد حملت رسالة أخرى، انها رسالة الرفض الابدي للظلم، وصرخة المظلوم في قصور الظالمين، لتهدم أواوينها، وتدمر قلاعها. انها رسالة الاحتجاج على القتل، وسلاح المستضعفين في مواجهة سلاح التضليل، ووسيلة المظلوم لاستنكار الظلم، واداة المقهور لاستنهاض الامة الغافلة والناس النيام والرعاع المغفلين والعامة الجاهلة والصفوة التي اعماها الطمع واسال لعابها المال الحرام والحضوة الزائفة عند السلطان، انها الرسالة التي لا يمكن لظالم، مهما اوتي من قوة وجبروت، ان يحجبها عن الفضاء الخارجي، ولذلك امتدت هذه الرسالة الزينبية عبر التاريخ وستظل ممتدة الى قيام الساعة، اذ سيفشل الظالمون في اخماد اوارها مهما فعلوا، ولنا في التاريخ اكبر دليل وانصع برهان، ولقد صدقت ابنة علي العقيلة زينب عندما خاطبت الطاغية يزيد في مجلسه بالشام قائلة {فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك امدنا ولا تدحض عنك عارها، وهل رايك الا فند وايامك الا عدد وجمعك الا بدد}. انها الرسالة التي فضحت زيف الحاكم الجائر، وكشفت عن حقيقة الامور التي بذل الظالم من اجل التستر عليها الشئ الكثير، وسخر لها جيوش (المثقفين) و(الاعلاميين) و(فقهاء البلاط) و(وعاظ السلاطين) من المأجورين والموتورين، من الذين يتبعون المطامع. انها شجاعة الرسالة وبطولة أهل الحق وصمود الثائرين وقدرة المظلومين. من هنا افهم؛ اذا اردنا ان نحول دون تكرار الحدث المأساوي، علينا ان نحتفظ بالدمعتين ساخنتين، فهما رسالتان تكمل الواحدة الاخرى، وهما جناحا ثورة السبط الشهيد سيد شباب اهل الجنة الامام الحسين بن علي بن ابي طالب عليهم السلام. ينبغي علينا ان لا ننخدع بما يقوله المشككون، الذين يحاولون انتزاع حب الحسين من قلوبنا، فالدمعة رسالة وليست عواطف فحسب، وانها معاني سامية وقيم عظيمة ومناقبيات خلاقة، من يتنازل عنها سيتنازل عن الحسين، ومن يفرط بها سيفرط بكربلاء، ومن يغفل عنها سيغفل عن الهدف والوسيلة في آن واحد. لنحذر من نسيان الدمعتين، وما حملتا من رسالتين تاريخيتين عظيمتين، من اجل ان لا ننسى الحسين وثورته الانسانية، وبالتالي، من اجل ان نتذكر انفسنا، فلا ننسى حالنا وواقعنا وما نحن عليه من وضع لا يحسد عليه، فالحسين عليه السلام عبرة (بفتح العين) وعبرة (بكسر العين) فلا يمكن ان نعيش الحسين بواحدة ابدا، فالعبرة (بفتح) جزء من العبرة (بكسر) والعكس هو الصحيح، وهما متلازمتان لا تفترقان ابدا ما دامت السماوات والارض. 20 كانون الثاني 2007

الخميس، فبراير ٢٢، ٢٠٠٧

الديمـــــقـراطية.. ثـقــــــــافـة

بقلم : نــــزار حيــــدر NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM العراق في مخاض. انه يشبه الى حد بعيد، مخاض انفلاق الفجر من كبد الظلام، وولادة الانسان من ظلمات بطن امه الثلاث الى نور الحياة. فالاغلبية تريد ان تتخلص من آثار الماضي لتبني عراقا جديدا قائما على اساس الشراكة الحقيقية بين مختلف مكونات المجتمع العراقي، خال من الاستبداد والتمييز بكل اشكاله، ومعافى من ظواهر السرقات المسلحة للسلطة (الانقلابات العسكرية). عراق يعيش فيه المواطن بحرية وكرامة ومساواة ويتمتع بخيرات بلاده، وتحترم فيه السلطة حقوقه، كما يقدر هو واجباته ازاء بلده وشعبه، ليس للاستئثار فيه من معنى. هذه الاغلبية اختارت صندوق الاقتراع ليكون المعبر الوحيد عن ارادة العراقيين، كما اختارت الى جانبه كل وسائل الديمقراطية من التعددية السياسية وحرية التعبير عن الراي والتداول السلمي للسلطة واحترام حقوق الانسان، وغير ذلك. اما الاقلية، فلقد اختارت وللاسف الشديد، التعنت للعودة بالعراق الى سابق عهده، تحكمه انظمة استبدادية شمولية، لا ترحم حتى ازلامها، كما كان يفعل من قبل الطاغية الذليل صدام حسين. انها تصر على عرقلة البناء الديمقراطي في العراق الجديد، واختارت كل الوسائل غير الشريفة لتحقيق هدفها الدنئ هذا، فكان القتل اسلوبها والسيارات المفخخة والاحزمة الملغومة الناسفة ادواتها، ومساطر العمال والاسواق الشعبية والمراقد المقدسة اهدافها. وبكلمة، فان الاغلبية اختارت المستقبل، فيما اختارت الاقلية الماضي. في العراق، اذن، صراع ارادتين، الاولى تبذل كل جهدها من اجل بناء العراق الجديد (الديمقراطي) والثانية، تبذل كل جهدها كذلك لعرقلة عملية البناء هذه، فاي الارادتين ستنتصر، وتحقق مشروعها؟ وكيف؟. في البدء يلزمنا، كعراقيين، ان نعرف جيدا باننا امام خيار واحد فقط لا غير، فبعد ان جربنا الاستبداد والديكتاتورية والانظمة الشمولية، لا بد لنا ان تنتصر ارادتنا، لان هزيمة الخيار الديمقراطي يعني انتصار الاستبداد من جديد، اذ لا توجد منطقة وسطى بين الاثنين يمكن اختيارها والركون اليها والعيش في ظلها، ابدا. ولذلك تعالوا نبحث عن عوامل انتصار الارادة العراقية الجديدة، لتهزم ارادة قوى الظلام والاستبداد والعنف والارهاب والتخلف والتشدد والتطرف. واذا كانت الديمقراطية في جوهرها ثقافة اولا، وهي كذلك، لذلك اعتقد بان ثقافة الديمقراطية يلزم ان تقوم على اساس ثلاثة اعترافات استراتيجية، هي في الحقيقة اضلاع المثلث الذي يستقر عليه بناء الديمقراطية. الاول؛ هو الاعتراف بالآخر. الثاني؛ هو الاعتراف بالخطأ. الثالث؛ هو الاعتراف بالفضل. في اطار الاعتراف الاول، يجب ان نتأكد ونتيقن من الحقائق التالية التي يجب ان لا تغيب عن بالنا ابدا، فبمجرد اغفالها فضلا عن غيابها، تقع المصيبة. الحقيقة الاولى؛ هي ان الله عز وجل خلق، بلطفه، الناس والاشياء والكون وكل شئ، مختلفة ومتنوعة، وعلى كل الاصعدة، فالتنوع في الخلق لطف رباني وحكمة سماوية، قال تعالى؛{ومن آياته خلق السماوات والارض، واختلاف السنتكم والوانكم، ان في ذلك لآيات للعالمين} وقوله تعالى{وهو الذي انشأ جنات معروشات والنخل والزرع مختلفا اكله، والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه} وقوله عز وجل{وما ذرأ لكم في الارض مختلفا الوانه، ان في ذلك لآية لقوم يذكرون} وقوله عز من قائل{الم تر ان الله انزل من السماء ماء فاخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف الوانها وغرابيب سود} وقوله تعالى{الم تر ان الله انزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا الوانه، ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما، ان في ذلك لذكرى لاولي الالباب}وقوله عز وجل{ان في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار، لآيات لأولي الالباب}وقوله{وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار، افلا تعقلون} وقوله تعالى{يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، ان اكرمكم عند الله اتقاكم، ان الله عليم خبير}. هذا يعني ان من المستحيل على بني البشر تغيير التنوع للوصول على نوع واحد، ابدا، فلا زالت الارادة الالهية هي التي خلقت هذا التنوع، فمن غير الممكن اختزاله بنوع واحد، وان من يحاول اختصار التنوع بنوع واحد، يصدم رأسه بحجر كبير، من دون نتيجة. كما ان محاولات الوصول الى وحدة النوع، هو جهد يبذله الانسان لمعاكسة الارادة الربانية، وهذا امر مستحيل جملة وتفصيلا. اذن يجب علينا جميعا ان نتعايش مع هذا التنوع، ولا نسعى لالغائه لان ذلك امر مستحيل. لقد حاول الكثير من الطغاة والجبابرة توحيد التنوع، فباؤوا بالفشل الذريع، الم يقل الطاغية المتجبر فرعون مخاطبا بني اسرائيل{يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الارض، فمن ينصرنا من باس الله ان جاءنا، قال فرعون ما اريكم الا ما ارى، وما اهديكم الا سبيل الرشاد} لماذا؟ لانه كان يتصور ان بامكانه ان يوحد التنوع وبالتالي يسهل عليه احكام السيطرة على شعبه، ولكن، ماذا كانت النتيجة يا ترى؟. الحقيقة الثانية؛ هي ان الهدف من التنوع، هو التعايش وليس التصادم، فكما ان من الحكمة تعاقب الليل والنهار، كما في قوله تعالى {ان في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لآولي الالباب} كذلك فان من الحكمة ان يتعاقب الخلاف بين بني البشر، ليتعايش وبالتالي ليتكامل، لان التكاملية، كما هو معروف، تتحقق بالتعايش وليس بالتقاطع، والى هذا المعنى اشارت الاية القرانية المباركة{يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}. الحقيقة الثالثة؛ هي انه ليس من بين بني البشر اليوم من يمتلك كل الحقيقة، ولذلك لا يحق لاحد ان يسعى لالغاء الاخرين بدعوى ان الحقيقة عنده وتحت جبته، كما يدعي المتصوفة. ان الحقيقة شئ نسبي، قد يمتلك بعضها اي انسان في هذا الكون، ولكن ليس كل الحقيقة، ولذلك يلزم ان يتوقع الجميع ان من غير المستبعد ان يمتلك اي واحد منهم بعض هذه الحقيقة، فلماذا اذن، يسعى بعضهم لالغاء البعض الاخر؟ الامر الذي يعني سعي الجميع لالغاء اجزاء من الحقيقة، من غير ان يعرفوا بالضبط، اي جزء هذا الذي يسعون لالغائه، واي جزء يمكن ان يكون هو المكمل للحقيقة التي يبحثون عنها؟. تاسيسا على هذه الحقيقة، يجب ان يعترف كل منا بالآخر، على اساس القاعدة القرآنية الكريمة{وانا او اياكم لعلى هدى او في ضلال مبين} اي انه في الوقت الذي امتلك انا بعض الحقيقة، قد يكون الاخر يمتلك مثلها، فلماذا اذن لا اعترف بذلك فاكسب جزئين منها، بدل الجزء الواحد الذي اتصور بانني امتلكه؟. ربما اعتقد بانني على حق، ولكن لا بد من ان احتمل الخطا في ذلك، كما ان الاخر قد يكون على خطا، ولكن يجب ان احتمل عنده الصح، وبذلك يعترف كل واحد منا بالآخر من دون السعي لالغائه. وفي اطار الاعتراف الثاني (الاعتراف بالخطأ) لا بد من التسلح بالشجاعة الكافية، التي نقدر بها ان نعترف بالخطا، خاصة اذا كان هذا الخطا يخص الامة، ولم يكن خطا شخصيا يرتبط بذات الانسان. فالاعتراف بالخطا هو سلم المجد والنجاح والتقدم، لانه صنو الشعور بالمسؤولية، اما الذي يعاند ولا يقبل الاعتراف باخطائه محاولا تبرير الفشل، فذلك الذي لا يشعر بالمسؤولية لا من قريب ولا من بعيد. ان الاعتراف بالخطا فضيلة، والى هذا المعنى يشير قول رسول الله (ص) {كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون} لماذا؟ لان من لا يخطا لا يتعلم ومن لا يتعلم لا يتقدم، بشرط الاستعداد للاعتراف بالخطا في حال وقوعه. كذلك، فان الاعتراف بالخطا يعظم صاحبه في اعين الناس، ويزيدهم احتراما له، كما انه يبني مصداقيته على اساس الشجاعة وعدم الهروب من المسؤولية، لان من تاخذه العزة بالاثم ويصر على نفي الخطا عن نفسه دون الاخرين، يسعى جاهدا الى رمي المسؤولية على الاخرين الا نفسه، ما يعني بانه يوحي للناس بانه غير مستعد لتحمل مسؤولية الخطا، في الوقت الذي يبدي استعدادا منقطع النظير الى درجة التهالك لتسجيل النجاحات باسمه فقط، وتلك هي عين الانانية والهروب من المسؤولية، لان الفشل مسؤولية تضامنية بين الجميع، لا بد ان يتحمل مسؤوليته كل من اشترك فيه، كل بمقدار وحجم دوره في الامر، كما ان النجاح جائزة تضامنية هي الاخرى، من المفروض ان تسجل باسم كل من شارك في تحقيق النجاح، كذلك، كل حسب مسؤوليته وموقعه من النجاح، فهذا ما يقتضيه العدل والانصاف، اما ان تصادر النجاحات لنفسك فقط، وترمي بالفشل على الاخرين وتنسحب من المسؤولية، فذلك ما لا يرتضيه عقل او صاحب دين. اذا اردنا ان ننجح، لا بد ان نعترف بالخطا، فلا تخوننا الشجاعة في ذلك، فمثلا، كيف يمكن ان نتصور حكومة ناجحة وهي ترفض الاعتراف باخطائها؟. ان مثل هذه الحكومة التي لا تمتلك الشجاعة لتعترف باخطائها، هي اقرب الى الفشل منه الى النجاح، لان النجاح لا يعرف الا بعد الاعتراف بالخطا، وقديما قيل(تعرف الاشياء باضدادها). لا يكفي ان نتحقق من نجاح الحكومة، اذا لم تصارحنا باخطائها، فتتحدث بانجازاتها فقط، فقد يكون هذا الانجاز او ذاك الذي تتحدث عنه الحكومة، ثمرة لاخطاء متكررة، فعندها يكون مثل هذا النجاح المزعوم، فشل في حقيقة الامر، تحاول الحكومة تسويقه للناس كنجاح، خاصة عندما يكون الثمن المدفوع اضعاف الناتج المتحقق. ان الحكومة الناجحة، هي التي تتحدث عن الصعوبات التي تواجهها، والاخطاء التي ترتكبها، والاخفاقات التي تتعرض لها خططها، والا عن اية خطة امنية جديدة، مثلا، تتحدث الحكومة العراقية، وهي التي اعلنت عن انطلاق العشرات منها من دون نتيجة؟ لتتحدث اولا عن فشل تلك الخطط، لنتيقن من انها جادة فعلا في اطلاق الخطط الجديدة. لماذا نسمع الرئيس الاميركي جورج بوش يتحدث عن فشل الخطط الامنية السابقة، ولا نسمع مثل هذا الكلام من الحكومة العراقية؟ اولم يكن من الاولى بها ان تتحدث بكل وضوح وشفافية وصراحة عن الفشل قبل ان تحاول اقناعنا بجدوائية الخطط الجديدة؟ كيف تريدنا ان نصدقها اليوم وهي التي كذبت علينا بالامس؟ وكيف تريدنا ان ندعمها بالخطط الجديدة وهي التي لم تصارحنا عن مصير الخطط السابقة؟ ولو كانت قد فعلت ذلك لزادت مصداقيتها عند العراقيين، ولأصغوا لها اليوم وهي تتحدث عن الخطط الجديدة بثقة اكبر واطمئنان اوفر. ان الاعتراف بالخطا يتطلب التعامل بشفافية وصراحة ووضوح، اما الغش والخداع والتضليل، فلن يقود الا الى المزيد من الفشل والاخفاقات، وهو السبب المباشر الذي يوسع الفجوة بين الحكومة والناس، واذا كانت السلطة تتصور ان بامكانها اخفاء الفشل عن الناس فانما الى حين وليس الى كل حين. نريد ان نسمع الحكومة تتحدث عن أخطائها، وهي في السلطة، وقبل ان تغادرها، كما نود ان نسمع الوزير متحدثا عن اخفاقاته، وهو بعد في موقع المسؤولية، وقبل ان يغادره لأي سبب كان. لماذا لا نسمع باخطاء الحكومة او الوزراء او المسؤولين الا بعد ان يغادروا مواقعهم؟ وعندما نسمعهم يتحدثون عن اخطاء ارتكبوها وهم في موقع المسؤولية التي تركوها لغيرهم، نسمعهم يبذلون جهودا انشائية وفلسفية كبيرة من اجل تبرير تلك الاخطاء، لا من اجل الاعتراف بها. ما فائدة الاعتراف بالخطا متاخرا؟ ما فائدة ان يعترف المسؤول باخطائه بعد ان يترك الموقع؟ اوليس فلسفة الاعتراف بالخطا من قبل المسؤول وهو بعد في موقع المسؤولية، من اجل محاسبته؟ فما فائدة اعترافه بخطئه بعد مغادرته الموقع، عندما لا تنفع المحاسبة باثر رجعي؟. لماذا تعود الناس في البلاد المتحضرة على الاصغاء الى المسؤول وهو يتحدث عن اخطاء ارتكبها، مبديا كامل استعداده لتحمل المسؤولية من دون الهرب منها او تبريرها او تحميل الاخرين مسؤوليتها، معربا عن ايمانه ببذل كل جهد لازم من اجل تصحيح الخطا، فيما يحلم الناس في بلادنا ان يسمعوا يوما شرطيا يتحدث عن خطا ارتكبه؟. والادهى من ذلك والامر، هو اننا نضحك على المسؤول في البلاد المتحضرة، عندما نسمعه يتكلم عن اخطائه، فتتحول اعترافاته الى مادة اعلامية دسمة تتصدر نشرات الاخبار واغلفة المجلات وواجهات الصحف. في البلاد المتحضرة، اذا لم يعترف المسؤول باخطائه يفضحه الاعلام ويسقط في اعين الناس وتقل شعبيته، بانتظار ان يدفع الثمن غاليا في اول انتخابات جديدة، اما في بلادنا (المحتضرة) فاذا اعترف احد بخطا مسؤول يسحله الناس في الشوارع حيا، واذا قالت صحيفة ما للمسؤول ان على عينيك حاجبا، علقت جثته في ساحة عامة ليعتبر به زملاءه من الصحفيين والاعلاميين، حتى لا يجرؤ احد على تكرار جريمته، اذ كيف يجرؤ صحفيا على نقد المسؤول وهو ظل الله في الارض، وانه الحكومة، شاء المواطن ام ابى؟. يقال ان الناس تظاهروا في بلاد الملكة، فاطلت عليهم صاحبة الجلالة من شرفة قصرها تسال عن سبب غضب الناس واحتجاجهم، فقيل لها انهم لا يريدون الحكومة وهم يعترضون على ادائها بسبب كثرة اخطائها وتكرار فشلها في المشاريع والخطط، فقالت على الفور؛ بدلوا الشعب اذا لم يكن راضيا على الحكومة. نعم، في بلادنا يستبدل الشعب اذا اعترض على الحكومة، اما في البلاد المتحضرة فتستبدل الحكومة اذا احتج عليها الشعب وضاق بها ذرعا، وكلنا يتذكر كيف كان نظام الطاغية الذليل صدام حسين يستبدل الشعب العراقي بالاعدامات والمقابر الجماعية والانفال وحلبجة والتهجير القسري، كلما طال لسانه على النظام. اتعرفون ما هو سبب هذا الفارق بين البلدان المتحضرة والمحتضرة؟ السبب يكمن في نوعية الثقافة، فبينما تحول الاعتراف بالخطا الى امر عادي في حياة شعوب البلدان المتحضرة، لا زال الاعتراف بالخطا عند شعوب البلاد المحتضرة يعد عيبا كبيرا ونقصا في شهامة المرء وانتقاصا من شخصيته. كما ان المسؤول في البلاد المتحضرة ليس اكثر من مؤتمن على موقع ومهام يتصدى لها، ولذلك عليه ان يعترف بخطئه ويرحل حال فشله، يعد المسؤول في البلاد المحتضرة سيد الامة والمتفضل عليها والمالك لناصيتها، اما الشعب فعبيد واما المال العام فارث يتوارثه الزعماء ابا عن جد، ولذلك يحاسب المسؤول عندهم ويجبر على الاعتراف باخطائه، ولا يحاسب المسؤول عندنا ولا يجرؤ احد على اجباره على الاعتراف بالخطا. من هنا كان من اللازم ان يتحول مبدا الاعتراف بالخطا الى ثقافة، والى امر عادي يمارسه المسؤول في كل الحالات وفي كل الظروف، وهو في موقع المسؤولية قبل ان يغادره، ربما الى القبر، لا ادري. اذا تحول الاعتراف بالخطأ الى ثقافة عند الناس وعادة ملازمة للمرء، فسيتحول الى رقيب ذاتي، كما انه سيكون رقيبا شعبيا عاما له، لان الاعتراف بالخطا بحاجة الى استعداد نفسي اولا. ان المتشبثين بالسلطة والمتهالكين عليها هم الذين لا يعترفون بالخطأ، ولذلك، فهم خطر على البلاد والعباد لا يجوز تركهم في مواقع السلطة، لانهم يجرون الناس الى الهلاك، وبسببهم تستفحل الاخطاء لتصل الى مرحلة لا يمكن عندها تصحيح المسار العام، بالضبط كما حصل مع الطاغية الذليل ونظامه الشمولي البائد. الناجحون يعتبرون الاعتراف بالخطأ فضيلة، اما الفاشلون المتهالكون على السلطة، فيعتبرونه رذيلة، وشتان بين الاثنين. ان الناجحين من المصلحين والزعماء الحقيقيين والقادة التاريخيين، يبدون استعدادا منقطع النظير للاعتراف باي خطا، لانهم مستعدون للتخلي عن السلطة متى ما فشلوا، لان هدفهم من السلطة ليس السطوة والاستئثار، وانما لخدمة الناس وحماية حياتهم ومنجزاتهم ومصالحهم، فماذا تنفع السلطة، في رايهم، اذا لم يكونوا سببا في النجاح وعاملا في تحقيق الاستقرار؟. ان الاعتراف بالخطأ دليل احترام عقول الناس وذاكرتهم، كما انه دليل على حرص المرء على الامانة التي يحملها (المسؤولية). لذلك نرى القرآن الكريم يزخر باعترافات العظماء، اما الطغاة والجبابرة فلا نقرا لهم الا الاعتزاز الوهمي بالنفس والخطا والاثم طوال حياتهم، وهو الامر ذاته الذي نقراه في حياة العظماء والطغاة على مر التاريخ والى يومنا هذا، ولذلك فان حياة العظماء تزخر بالنجاحات فيما لا تسجل صفحات الطغاة الا الشر والسوء والفشل والهزائم. ولهذا لا نسمع من انظمة وحكومات العالم المحتضر اي اعتراف بالخطا بالرغم من مرور نصف قرن او اكثر على وجود بعضها في السلطة، وقد سالت خلالها انهار من الدماء وازهقت ارواح الابرياء وانتهكت اعراض الناس ودمرت البلاد وتبدد المال العام وانتشر الفساد الاداري في كل مرافق الحياة العامة، وفشا المرض والتخلف والامية في اوساط الناس، وبعد كل ذلك يخرج علينا الزعيم في ذكرى الاستقال الموهوم او العيد الوطني الخداع من كل عام ليتحدث لنا عن التقدم والنجاح والانجازات. ومن اجل ان اكون منصفا، علي ان اذكر هنا باننا لا نسمع بالخطا الا اذا سقط النظام بانقلاب عسكري فقط، وان اعتراف الانقلابيين باخطاء السلف ليس من اجل سواد عيون الشعب او من اجل تصحيح المسيرة، ابدا، وانما من اجل تبرير سرقتهم المسلحة (الانقلاب العسكري) ليس الا. اما في اطار الاعتراف الثالث (الاعتراف بالفضل) فالمقصود به هو ان يستعد كل واحد منا للاعتراف بفضل من له الفضل في تحقيق النجاح، وهذا يتطلب ان نترفع عن الخلافات ونسمو بالنفس لتكون عندنا المصلحة العامة فوق كل المصالح الخاصة، وان الهدف هو النجاح وليس من يحقق هذا النجاح، اما اذا ركبتنا الانانية، فترانا نكيل بمكيالين، فاذا كنت انا من حقق النجاح فسافرض على الجميع ان يعترفوا بفضلي في ذلك، والا اتهمهم بالحسد والغيرة والخيانة في احيان كثيرة، والا لماذا لم يبرقوا لي مهنئين؟ اما اذا كان غيري هو من حقق هذا النجاح، فالفخر للظروف التي خدمته وليس له، ولذلك احاول ان اتجاهل دوره مهما كان عظيما. ان عدم الاعتراف بالفضل للاخرين، هو احد الاسباب المدمرة التي تمزق المجتمعات، لانه يدفع باتجاه التباغض والتحاسد والتصادم، ولذلك يتحول النجاح، في احيان كثيرة، الى سبب للفشل والهزيمة، وللتباعد والتباغض حتى بين اقرب الناس. اما الاعتراف بالفضل للاخرين، فهو السبب المباشر لتحقيق المحبة والتعاون والتكامل بين العاملين، وبالتالي فهو السبب الاساسي لتوطيد الثقة بين الراعي والرعية. ان الاعتراف بالفضل، خلق قرآني، من خلال ما نقرأه في العشرات من الايات الكريمة التي يعترف بها الله تعالى بالفضل، ولذلك يفضل رب العزة بعض الناس على بعض، بل انه عز وجل يفضل الانبياء بعضهم على بعض، لأنه يعترف لهم بالفضل، بغض النظر عن سبب هذا التفضيل. لنقرأ، مثلا، باقة الايات القرآنية الكريمة؛ {وان تعفوا اقرب للتقوى، ولا تنسوا الفضل بينكم، ان الله بما تعملون بصير}{تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، منهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات}{ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}{لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير اولي الضرر، والمجاهدون في سبيل الله باموالهم وانفسهم، فضل الله المجاهدين باموالهم وانفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين اجرا عظيما}{ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}{ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة، ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين}. من هنا علينا ان نتخلق بخلق القران الكريم، فاذا ابدع امرء بشئ علينا ان نعترف له بذلك، واذا تميز بدور علينا ان نعترف له كذلك. لنسع دائما الى احترام وتقدير امتيازات الاخرين، ليعترفوا بدورهم بالامتيازات التي قد اتميز بها عن الاخرين في يوم من الايام، فكما تحب ان يعترف لك الاخرون بالفضل، عليك اولا ان تبادلهم هذا الحب، لتلق منهم ما تحب. ان الاعتراف بالفضل للآخرين، يشجع على عمل الخير، وهو افضل الشكر الذي يقول عنه رسول الله (ص) {من لم يشكر المخلوق، لم يشكر الخالق} فالاعتراف بالفضل اول الشكر، اليس كذلك؟. 5 شباط 2007

العــــراق .. الفشــل والحـــــــل

بقلم : نـــزار حيــــــدر
NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM كمواطن، يحق لي اليوم ان اقيم عمل الحكومة العراقية، واحكم عليها ما اذا كانت قد نجحت أم فشلت في مهامها، وذلك بعد مرور أكثر من ستة اشهر على ولادتها، وهي المدة الزمنية التي كنت قد حددتها في مقال سابق، قبل ان احكم لها او عليها. وقبل ان اصدر حكمي الشخصي على الحكومة العراقية، اود ان ابين ملاحظة في غاية الاهمية، وهي ان المقصود بالحكومة العراقية، كل الزعماء والقادة الذين يشتركون في العملية السياسية بشكل مباشر، وهم، كما نعرف مجموع اعضاء المؤسسات الرئاسية الثلاث، رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان، ولذلك فسوف لن ارحم او اغفل اي واحد منهم في مقالتي هذه، من اجل مصلحة العراق والعراقيين. اقول ذلك لان كل الزعماء والقادة يصرون على تسمية الحكومة الحالية بحكومة الوحدة الوطنية، وان المسؤوليات في الرئاسات الثلاث، متساوية بين جميع الفرقاء وانها مسؤولية تضامنية بين مختلف الاطراف المشاركة، ولذلك لا يحق لاي احد منهم ان يتهرب من المسؤولية او يتحجج باية اعذار. اما غير المشتركين او الرافضين للعملية السياسية، فهؤلاء في الحقيقة يتحملون القسط الاكبر من مسؤولية الفشل لانهم تورطوا في الارهاب من قمة رؤوسهم الى اخمص اقدامهم، ولذلك فسوف لن اتحدث كثيرا عن هلؤلاء، فدورهم معروف ومسؤوليتهم مفروزة مسبقا. كما انني لن اتحدث عن دور دول الجوار، خاصة الانظمة العربية الطائفية التي ترتعد فرائصها كلما طرق سمعها مصطلحات مثل التغيير والاصلاح والديمقراطية وصندوق الاقتراع وغر ذلك، في الفشل، كما لن اتحدث عن دور الاخطاء الاميركية والدولية القاتلة في ذلك، وانما احاول ان احصر الحديث في مسؤولية الزعماء والقادة الذين تصدوا للعملية السياسية والذين طالما ظل العراقيون يبررون لهم ويمنحونهم الفرصة تلو الاخرى من اجل تمكينهم لتحقيق نجاح ما. فما هو الحكم الذي يمكن ان اصدره على الحكومة، بعد مرور اكثر من ستة اشهر على تصديها لمهامها الدستورية؟. انها، وبكل بساطة ووضوح واسف، حكومة فاشلة بكل المعايير. فلقد فشلت في تحقيق اي شئ يذكر، كما انها فشلت في تحقيق اي انجاز سوى الشعارات والكلام الفارغ والوعود المعسولة والاماني البائسة، والخطط الميدانية النظرية التي لم تحقق شيئا للناس. وبذلك تكون هذه الحكومة قد فقدت شرعيتها، لان شرعية الحكم في اي بلد في العالم لا تعتمد على كيفية اختيار الحكومات، بل على قدرة الحكومة لتلبية احتياجات شعبها اليومية. وللتدليل على فشل (حكومة الوحدة الوطنية) التي تفتقر الى ابسط مقومات النجاح والمتمثل في الانسجام بين اعضائها، اسوق الامثلة البسيطة التالية: خذ مثلا على ذلك، الملف الامني الذي طالما ظلت الحكومة تعلن يوميا عن خطط جديدة لمواجهة العنف والارهاب، الا ان المحصلة ليست صفرا وانما دون الصفر، فلقد شهدت الاشهر الثلاثة الاخيرة اعنف موجة ارهاب سالت فيها الدماء انهارا، لدرجة ان الكثير من العراقيين، حتى من ضحايا النظام البائد، راحوا يترحمون على ايام (النباش الاول) ولعلكم سمعتم بقصته الظريفة التي ذهبت مثلا بين العراقيين. اما على صعيد التنمية واعادة البناء، فلم يشهد العراق شيئا من ذلك طوال فترة تصدي هذه الحكومة لمسؤولياتها الدستورية. وهكذا بالنسبة الى محاربتها للفساء المالي والاداري الذي انتشر كالسرطان في مختلف اجهزة الدولة. كما ان السيادة ظلت عالقة خلال الاشهر الستة الماضية، على الرغم من كثرة الحديث عنها، خاصة بعد كل اجتماع قمة بين العراقيين والاميركيين على وجه التحديد. فلماذا فشلت الحكومة العراقية في تحمل مسؤولياتها؟ وهل يحق لها الاستمرار في عملها، بعد كل هذا الفشل المريع؟. وما هو مصير العملية السياسية والديمقراطية الموعودة؟ وما هو الحل المقترح للخروج من الازمة الخانقة التي لا يرى احد فيها اي بصيص امل؟. لقد حاصرت الحكومة نفسها عندما قبلت بان تنقلب على نتائج صندوق الاقتراع، وتنصاع للمشروع الاميركي الرامي الى تشكيلها على اساس التوافق والمحاصصة، والذي ساوى بين الجميع في الحقوق بغض النظر عما يمتلكه كل طرف من مقاعد في البرلمان، فتم تقسيم السلطة الى ثلاثة اقسام، وبالتساوي، من خلال منح الجميع حق النقض (الفيتو) في كل مرافق ومؤسسات الدولة الجديدة، ما عطل فاعليتها وافرغ محتواها من الحقيقة المقصودة من الانتخابات. اما اسباب الفشل، فبرأيي ، تعود الى ما يلي: اولا: لم يكن هدف الذين تصدوا للمشهد السياسي العراقي منذ سقوط الصنم ولحد الان، الانسان، بل كان هدفهم الموقع، ولذلك فان كل الذي بذلوه كان من اجل السلطة وللسلطة، وليس من اجل الانسان، وفرق كبير بين من يرمق الموقع بعينه لخدمة الانسان، وبين من يرمق الانسان بعينه للوصول الى الموقع. فالاول يركل السلطة بقدميه اذا لم تكن وسيلة لاقامة الحق والانصاف بين الناس، اما الثاني، فيركل الناس للوصول الى السلطة. الاول يقول، والله ما امرتكم هذه الا كعفطة عنز الا ان اقيم حقا او ادحض باطلا، والثاني يقبل بكل الشروط المذلة للوصول الى السلطة. لذلك ورد على لسان امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام قوله {ان رسول الله (ص) امرنا ان لا نعطي السلطة لمن يطلبها} اي الذي يبدي تهالكا عليها، لان مثله لا يرعى الا ولا ذمة في الناس، لان هدفه السلطة وليس الناس. ثانيا: لقد غابت نظرية التمكين من الساحة السياسية العراقية، وحلت محلها نظرية التربص، فكل متربص بالآخر، يعرقل عمله خشية ان يحقق انجازا فيكتب باسمه فياتي على حساب رصيد الاخر. لم يتمن احد منهم للاخر النجاح، ولم يمكن احدهم الاخر على انجاز مهامه الموكولة اليه، فكانت محصلة عمل الجميع (صفرا) لان التربص يمنع الجميع من تحقيق انجاز ما، كما انه السبب المباشر في فشل الجميع، وان كانوا يضنون بان فشل احدهم نجاح للآخر. ثالثا: لم يتعامل اي احد منهم كرجل دولة، مسؤول عن بلاد وعن شعب، وانما تعاملوا كشيوخ قبائل او زعماء احزاب او قادة طوائف او مدراء شركات. لقد غاب مفهوم الزعامة الوطنية بصورة مرعبة، وللاسف الشديد، فلم يعد في العراق زعماء وطنيون، يقدمون مصلحة البلاد على مصالح الفئة، ومصالح الناس على مصالح الاسرة او القبيلة، ومصالح العراق على مصالح هذه المدينة او تلك. لقد تخندق الجميع كل في بئره، الاسرة، الحزب، الطائفة، القومية، المدينة، فكل شئ كان حاضرا الا الوطن، وكل الاعضاء والمنتسبين والاقرباء كانوا في وعي الزعيم الا الشعب. رابعا: لقد بدا الجميع، بلا رؤية استراتيجية، فضاعوا واضاعوا العراق بين كومة من التكتيكات المتناثرة التي ان جمعتها الى بعض لم تشكل حتى استراتيجية واحدة، وكما هو معلوم، فان الدول لا تبنى بالتكتيكات مهما كثر عددها، وانما بالاستراتيجيات، مهما قل عددها. ولانهم بدأوا من دون رؤية استراتيجية لبناء الدولة، فلذلك استعجلوا، ففشلوا. الشيعة استعجلوا في اقتطاف ثمار المظلومية التي تراكمت في تاريخهم على يد الاقلية الطائفية، فاخافوا شركاءهم في الوطن. والكرد استعجلوا في جني ثمار المظلومية كذلك والتي تراكمت هي الاخرى على يد الاقلية العنصرية، فلم يبالوا كثيرا بما يجري خارج حدود الاقليم. والسنة، تمسكوا بالماضي فرفضوا الاعتراف بالخطا، وتاليا الاعتراف بالواقع الجديد، الذي يجب ان يقوم على اساس الشراكة الحقيقية بين كل مكونات المجتمع العراقي من دون استثناء، لدرجة انهم بدوا فيها وكانهم يربطون مصيرهم بمصير الطاغية الذليل صدام حسين، كما يبدو للمتابع انهم يربطون مصير العراق بالماضي. ولان هذه الاطراف الثلاثة، استعجلت، ولذلك ضاعت حقوق بقية شرائح المجتمع، خاصة من الاقليات القومية والدينية الاخرى. ولانهم استعجلوا، لذلك قراوا الاستحقاقات بالمقلوب او بشكل ناقص او خاطئ. السنة، استحقاقات الماضي، وكان ذلك خطأهم القاتل، اذ ظنوا ان الحاضر والمستقبل كالماضي. الشيعة، استحقاقات الانتخابات، فكان ذلك خطأهم القاتل، اذ ظنوا ان الحاضر الجديد تبنيه استحقاقات صندوق الانتخابات فقط، فنسوا استحقاقات الماضي والاحتلال وتراكم الجهل ومخلفات الاستبداد والديكتاتورية والنظام الشمولي. الكرد، استحقاقات الفوضى، وكان ذلك خطأهم القاتل، ظنا منهم بان استقرار الجزء سيدوم في ظل فوضى المجموع، وما دروا بان العراق وحدة واحدة لا يمكن ان يتجزا، فاما ان يستقر كله، او تعم الفوضى جميعه. خامسا:لقد اسميت مرة {التوافق والمحاصصة وحق النقض، الفيتو} بالثالوث المشؤوم، ويبدو اليوم انني كنت محقا في ذلك، فعندما اعتمد الساسة هذا الثالوث في توزيع الادوار، دمروا الديمقراطية بالغاء نتائج الانتخابات، وشلوا البرلمان والحكومة، وافرغوا العملية السياسية من محتواها الحقيقي. وما زاد الطين بلة، ان هذا الثالوث اطر العملية السياسية باسوء حالات الاستئثار، الامر الذي ادى الى ابعاد الطاقات العراقية الخلاقة والكفاءات النزيهة والخبرات المتراكمة، لا لسبب الا لانها ليست من ضمن المحاصصات، ايا كان نوعها، لدرجة ان الحكومة تشكلت على اسس غريبة للغاية، فمثلا، بدلا من ان تدور وزارة من الوزارات على الوزراء المرشحين لتولي مهامها، بحثا عن الانسب، راينا ان الوزير المرشح يدار به على الوزارات ليتم له تفصيل وزارة على مقاساته، ولذلك استوزر اشخاص على اساس القاعدة المشهورة ولكن بالمقلوب، فكان {الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب}. سادسا: العملية السياسية الحالية تمر بازمة ولاء خطيرة، وذلك بسبب التاثير اللامتناهي الذي خلفته سياسات النظام الشمولي البائد، هذه الازمة التي شب عليها الطفل الصغير، وشاب عليها الكبير، عندما لخص الطاغية الذليل صدام حسين العراق بشخصه، فرفع شعار {اذا قال صدام قال العراق} وعندما حرم المواطن من كل حقوقه فلم يعد يتحسس بما يمكن ان يربطه بالعراق والولاء اليه. لقد كان الولاء في الزمن البائد للطاغية وليس للوطن، واذا اتسع فللعشيرة التي تتمتع بحضوة عنده، او للقرية او المدينة التي ينحدر منها الطاغية، اما الولاء للوطن، فهو آخر ما كان يفكر به المواطن، هذا في حال انه تذكر الوطن، ولم يشغله شغف العيش عن التفكير به. سابعا: انهم يتعاملون بلامسؤولية غريبة، واحيانا بلا أبالية قاتلة. خذ مثلا على ذلك، اجتماع مجلس النواب، فان اكثر اجتماعاته تلغى لعدم اكتمال النصاب القانوني، واذا ما اكتمل النصاب ففي حده الادنى، لماذا؟ اولم ينتخب العراقيون نوابهم في هذا المجلس ليجتمعوا ويقرروا؟ ام انهم انتخبوهم من اجل الموقع والراتب والابهة؟. اعتقد ان ذلك يعود الى احد سببين، فاما بسبب انعدام الشعور بالمسؤولية، او بسبب الاحساس بعم جدوائية الحضور، فتساوى عنده الحضور والغياب، لانه يعلم مسبقا بان القرار لا يتخذ تحت قبة البرلمان وبالتصويت الحقيقي الحر، وانما يتخذ القرار وراء الكواليس وباجتماع قادة الكتل، وهو، في هذه الحالة، ليس اكثر من يد ترفع متى ما اراد الزعيم، وتنزل متى ما اراد كبيرهم، على طريقة (موافق) التاريخية المعروفة. انه يعلم علم اليقين، بان القرار بيد الكبار، وليس بيد جيش الصغار، فلماذا يحضر ويعرض نفسه للخطر؟ ما يعني ان الصوت في هذه الحالة لا قيمة له في اتخاذ القرارات، خاصة المصيرية منها. كذلك، فانهم يريدون ان يبنوا العراق ويديروا البلد من سجن المنطقة الخضراء، او من مكان بعيد، باجهزة التحكم عن بعد، لدرجة ان بعض الوزراء لم يزر حتى الان بناية وزارته، وقد مر على تعيينه وزيرا أكثر من ستة اشهر، كما ان بعضهم يدير وزارته من عواصم عربية مجاورة، وكل ذلك بحجة انعدام الامن، وكأن العراقيين لا يكتوون بناره، أو كأن دمه اغلى من دمائهم، او كأنه لم يكن يعرف بذلك عندما قبل الموقع والمسؤولية؟. ثامنا: وفوق كل هذا وذاك، خدع الزعماء انفسهم بمشروع ما يسمى بالمصالحة الوطنية، الذي وفر لجماعات العنف والارهاب، وللجماعات التي لا تؤمن اساسا بالعملية السياسية ولا بالديمقراطية وادواتها، غطاءا قانونيا يزحفون به على العملية السياسية لتدميرها وذبحها، ليس بالسيف ولكن بـ (القطنة) كما يقول المثل. هؤلاء الذين يشبه حالهم حال اولائك الذين اسلموا عند رسول الله (ص) ليس ايمانا منهم بالدين الجديد، وانما درءا للخطر وليتسللوا الصفوف من اجل ان يتآمروا على الاسلام ونبيه، اولئك الذين يتحدث عنهم القرآن الكريم بقوله {الذين اتخذوا ايمانهم جنة ليصدوا عن سبيل الله} فاعتناقهم الدين الجديد كان بالنسبة لهم وقاية من الشبهة لتنفيذ مكائدهم ومآربهم ومؤامراتهم ضد الدين الجديد. وتتكرر الحالة اليوم في العراق، فلقد تسللت مجموعة من امثال هؤلاء الى العملية السياسية، وفي اجهزة الدولة، للكيد بالديمقراطية الناشئة، والتآمر عليها، بعد ان ضمنوا لانفسهم غطاءا قانونيا وشرعيا يحول بينهم وبين الاعتقال مثلا او ما اشبه، وما قصة الكشف عن منزل احدهم والذي تحول الى مصنع لتفخيخ السيارات، لنشر الموت والدمار بين العراقيين، الا نموذج من هذا. لقد تسلل امثال هؤلاء الى العملية السياسية الجديدة الناشئة وقد ساعدهم في ذلك اكثر من عنصر؛ الاول، بساطة وسذاجة المؤمنين بالعملية السياسية، فما دروا بان هؤلاء ما دخل الايمان بالديمقراطية في قلوبهم لحظة واحدة، وان هدفهم ينحصر في بذل كل الجهود من اجل العودة بالعراق الى سابق عهده، تحكمة الاقلية فتهمش الاغلبية. الثاني، دعم الانظمة العربية الطائفية التي لا يمكن ان تقتنع بدور للاغلبية العراقية في العملية السياسية، ولذلك ظلوا يدعمونهم بكل الاسباب والوسائل من اجل زرعهم في العملية السياسية لتدميرها في وقت لاحق وعندما تحين الفرصة المناسبة. الثالث، دور ومواقف السفير الاميركي السابق الطائفي زاد، المعروف عنه حقده الدفين ضد الاغلبية من العراقيين، بسبب اصوله الاثنية وثقافته الطائفية التي شب عليها في مسقط راسه. وبصراحة اقول؛ لقد ابتلي العراق اليوم بزعامات خائفة وقلقة ومترددة، ولا اقول اكثر من ذلك، فاذا بقيت على راس الامور، فعلى العراق وديمقراطيته الوليدة الناشئة السلام. اما الحل المقترح للازمة، فاعتقد انه ممكن بالخطوات التالية، بعد ان بات من غير الممكن تعديل الحكومة الحالية بما يؤهلها لاستعادة عافيتها من اجل ان تكون بنفسها حكومة انقاذ وطنية قادرة على الابتعاد عن تاثيرات المحاصصة والحزبية الضيقة، كفوءة ونظيفة وغير متورطة بفساد من اي نوع كان: اولا؛ الاعلان عن استقالة الحكومة الحالية، وتشكيل حكومة انقاذ وطني مصغرة من عدد محدود من الوزراء، على ان لا يشترك فيها اي من الزعماء الذين اشتركوا لحد الان في مؤسسات الدولة، من الذين اثبتوا فشلهم، فكيف يمكن ان نرتجي الحل في الفاشلين؟. يجب ان تكون الحكومة المقترحة مستقلة، لتقف على مسافة واحدة من الجميع، فتتعامل معهم من دون تمييز، على ان تكون حكومة متخصصين، غير طائفية او حزبية او حتى سياسية، ولا باس بعد ذلك ان كانت باغلبية من اي شريحة من شرائح المجتمع العراقي. لقد كشفت تجربة السنين الاربعة الماضية التي اعقبت سقوط الصنم، عن معادن الرجال، ولذلك فان من السهولة بمكان العثور على زعامات وطنية تؤمن بالديمقراطية ولا تتخندق بطوائفها او اثنياتها او احزابها، زعامات لم تتورط بفساد، وصاحبة تجربة وخبرة ودراية، لتقود المرحلة الانتقالية المفترضة. ثانيا؛ اعلان حالة الطوارئ لمدة لا تقل عن ستة اشهر لحين اجراء الانتخابات التشريعية الجديدة، والضرب بيد من حديد على يد كل من يحاول العبث بامن العراق خاصة مجموعات العنف والارهاب، والجماعات التي وفدت الى العراق من الخارج. ثالثا؛ تحديد جدول زمني لاجراء الانتخابات التشريعية الجديدة بالتزامن مع جدول زمني لاخلاء العراق من القوات متعددة الجنسيات، الى جانب خطة فورية لاعادة بناء القوات المسلحة واجهزة الشرطة، ما يؤهلها للامساك بزمام الامور فور اخلاء العراق من القوات متعددة الجنسيات. رابعا؛ تغيير قانون الانتخابات، والغاء طريقة القوائم، بما يمكن كل مواطن عراقي من الترشيح للانتخابات، لكسر احتكار (الحيتان الكبيرة) للقوائم الانتخابية، على ان تجري الانتخابات تحت رعاية واشراف الامم المتحدة حصرا، ومن دون تدخل العراقيين ابدا، للحؤول دون التزوير والتلاعب والغش. خامسا؛ تنفيذ الاحكام القضائية العادلة التي صدرت بحق الارهابيين، فورا، والاسراع في اصدار الاحكام القضائية العادلة بحق المتبقين منهم، خاصة من ازلام النظام البائد. ان الطاغية الذليل وزبانيته وزعماء زقادة الارهاب، كجسد بني اسرائيل لهم خوار يحرض على العنف والارهاب، ولذلك يجب ان يتم نسفهم نسفا فلا نبق لهم اثرا، كما فعل نبي الله موسى عليه السلام، حتى لا يبقى من اثرهم ما قد يحرض ايتامهم على حمل رمزيتهم في يوم من الايام، والتنادي باسمهم وبشعاراتهم الجاهلية المزيفة. سادسا؛ التطبيق الحرفي لقانون الارهاب، وملاحقة كل من صدرت ضده مذكرة اعتقال او استدعاء او توقيف ممن يحرضون على العنف والارهاب باي شكل من الاشكال، بغض النظر عن انتماءاتهم او هوياتهم، ليتحسس المحرضون جدية القضاء في ملاحقة الارهابيين اين ما كانوا. سابعا؛ انزال اقسى العقوبات القانونية بحق المتورطين بدم العراقيين وامام الملأ، والكشف عن مصادر تمويلهم ومراكز تدريبهم، والجهات الاقليمية والدولية التي تدعمهم بالمال والسلاح والدعم اللوجستي، ليكون الارهابيون ومن يقف وراءهم وجها لوجه مع العراقيين، ليتم استئصالهم وقطع دابرهم، وتشريد من خلفهم، فلا تجوز المجاملة او المقايضة في ذلك، لانه لا ياتي الا على حساب دماء العراقيين الابرياء. ثامنا؛ ايقاف كل الخطط الاميركية التي اثبتت فشلها الذريع، وليتيقن العراقيون بان الحل بايديهم اولا واخيرا. وان اخطر هذه الخطط التي يجب ان تتوقف فورا، هو الحوار مع مجموعات العنف والارهاب، سواء تلك التي تحمل السلاح وتقتل الابرياء، او تلك الموجودة تحت قبة البرلمان، وتدير الارهاب من هناك. ان فشل هذه الخطط وصل الى حد بحيث بات حتى الاميركيون يتحدثون عنها بصوت عال، بعد ان راحوا يلومون السفير زاد عليها، على اعتباره انه صاحب نظرية مقايضة السياسة بالارهاب، والتي بدأها بدعم وتشجيع وحث من قبل الانظمة العربية الطائفية التي لا تريد ان ترى للاغلبية من العراقيين دورا محوريا ومفصليا في الحياة السياسية. ان هذا الخيار سيحافظ على انجازات العراقيين، فلا يلغي العملية السياسية ولا ينقلب على الديمقراطية الناشئة. انه خيار يصون منجزات العراقيين، الذين يجب ان لا يقبلوا باي انقلاب على الديمقراطية في كل الظروف، لان البديل عن الديمقراطية هو الديكتاتورية التي راينا جميعا كيف انها دمرت العراق وانتهت به تحت الاحتلال والارهاب. يخطئ من يتصور بان المشكلة في العراق سببها صندوق الاقتراع، بل انها تنحصر في الانقلاب عليه بالثالوث المشؤوم (المحاصصة والفيتو والتوافق) فلو كان الساسة قد تعاهدوا على الالتزام بنتائج صندوق الاقتراع، وشكلوا مؤسسات الدولة على اساسها، فاخذ كل طرف حقه في المسؤولية، لما حدث كل الذي نراه اليوم، من تراجع مرعب وعلى مختلف الاصعدة. اما الخيار الاخرالذي يجري الحديث فيه، فهو الانقلاب العسكري، الذي يجب ان يرفضه العراقيون لانه يعد انقلابا على العملية السياسية برمتها، كما انه يعيدنا الى المربع الاول، وهذا ما لا يتمناه العراقيون باي حال من الاحوال. اعتقد ان الفرصة لا زالت مؤاتية لانقاذ ما بقي من العملية السياسية، بشرط ان يبادر العراقيون للتفكير بصوت عال، فاعادة النظر بالمسيرة والاعتراف بالخطا واحيانا الهزيمة، ليس عيبا، انما العيب كل العيب اذا ما اصر المرء على ممارسة الخطا ورفض ان يعترف بالقصور او التقصير، لا فرق، فالاول طريق الى النجاح والانقاذ، اما الثاني فطريق الى الفشل المحتم والتدمير النهائي. اخشى ما اخشاه، هو ان الزعماء يظنون بان العراقيين يصدقون كلامهم المعسول عن النجاحات الوهمية، كما اخشى ان يتباطأ الزعماء في اعادة التفكير فيسري الماء من تحت ارجلهم، على حد قول المثل المعروف، اذا بالاخرين يطردونهم بليلة ظلماء من المنطقة الخضراء ويعلنوا عن النهاية. 20 شباط 2007 ملاحظة هامة: الرجاء، المراسلة على العنوان المثبت في صدر المقال فقط، وهو: NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM مع الشكر والتقدير

الثلاثاء، فبراير ٢٠، ٢٠٠٧

لماذا يكفروننا ويبيحون دمنا .. هؤلاء الهمج الرعاع ؟1

بقلم: محمد خليل الحوري
لا ندري من أي منطلق ومن أي مصدر ومن أية شريعة أو ديانة، تستمد ثلة من الهوام المسعورة، والوحوش الضارية المتوحشة، وشرذمة من شذاد الآفاق تشريعاتها الشاذة والعبثية، هؤلاء الذين جاءوا إلينا زاحفون من القرون الغابرة والعصور المظلمة، وهم ينتمون إلى عصابات المغول والتتار وقراصنة البحار، وتسللوا في ليلة ظلماء إلى هذا العصر الذي لا يناسب ما يعتقدون به وما يفكرون فيه، ويرفض رفضا قاطعا ما يمارسونه من أعمال وحشية وممارسات إجرامية وإرهابية، تنبذها كل الملل والديانات والأعراف الإنسانية، وتجرمها كل الشرائع والأديان السماوية والقوانين الوضعية، وتستنكرها استنكارا صارخا وتشجبها شجبا مدويا، وتستهجنها استهجانا مزريا.جاءت تلك الفئات الظلامية الضالة المضلة، لتفتي حسب أهواءها وتشرع وتحلل وتحرم، وتبيح لنفسها إرتكاب أبشع الأعمال وأفظع الجرائم، وتتمادى في غيّها وجهلها، وتعطي لنفسها حق التدخل في شؤون الناس – في كل دولة تحل بها كالصاعقة - وكأنها وصية عليهم وولية لأمرهم، وتصدر أوامرها وقوانينها، وتفرض أحكامها وتعاليمها، وكأنها تتلقى الأوامر من السماء مباشرة، متجاهلة وجود ذوي العقول الراجحة، وأصحاب الوجاهة والمكانة الرفيعة، من أهل الدين والفكر والسياسة والثقافة، وأهل النفوذ والسلطة والسلطان.وتشرذمت تلك الجماعات وإنطوت على نفسها، وآلت على نفسها إلاّ أن تتخذ من العنف والقتل والذبح والبطش منهجا وطريقا لها، ومن ترويع البشر وإراقة الدماء نهجا ونبراسا لها، فهامت في الفيافي والصحارى، وإختفت في البوادي والوديان، وتوارت في السفوح وفي الجبال، وأصبحت تزرع الموت والفناء بين البشر، وتحصد الخراب والدمار في بقاع الأرض، وتجني من وراء ذلك الخيبة والخسران، وغضب الرب عليها وكراهية الناس لها في كل مكان، وسيكون مصيرها جهنم وبئس القرار.ووجدت تلك الوحوش الضالة في العراق التي تسللوا إليها في ليلة ظلماء، وفي فترات إنفلات الأمن، فوجد البعض منهم فيها ضالتهم المنشودة، فإتخذوا منها وكرا لهم يختبئون به ويتوارون عن الأنظار، ويمارسون إرهابهم الذي أقاموه على أسس من الكراهية والبغضاء والأحقاد الدفينة السوداء، وتكفير الأخرين وإباحة قتلهم وذبحهم والتمثيل بجثثهم، وانتهاك عرضهم ونهب مالهم وثروتهم، وقسموا الناس إلى طوائف وفرق، وركزوا عملياتهم الإرهابية على طائفة من المسلمين، تدين بدين الإسلام ومعتقداته، وتشهد بوحدانية الله وربوبـيته، وتؤمن بكتب الله المنزلة وأنبياءه المرسلة، وتتبع الرسالة المحمدية وأهل بيته الأطهار، وتتهمهم تلك الجماعات الضالة المضلة والظلامية التكفيرية بأنهم – والعياذ بالله – كفرة وتسميهم بالرافضة، وهم كعادتهم يكفرون كل من يخالفهم الفكر والرأي والعقيدة، ويعطون أنفسهم الحق في إصدار أحكامهم الإرهابية فيهم، وإرتكاب إثمهم وعدوانهم على الأبرياء تحت تهديد السلاح وتحت طائلة البطش والعنف والقوة.ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لقد تعدوا على شرع الله – سبحانه وتعالى - وتجاوزوا كل الحرمات، فلم يراعوا في الله حرمة، ولم يحترموا بيوت الله التي جعلها دور أمن وأمان، ولم يراعوا مشاعر المسلمين وأحاسيسهم، ففجروا سياراتهم المفخخة في دورعباداتهم ومساجدهم وأسواقهم ومدارسهم، ونسفوا أحزمتهم الناسفة في صفوفهم ومزقوا أجسادهم، وقذفوهم بالقادقات ومدافع الهاون وهم في عقر ديارهم، ولم تسلم الكنائس وجموع المصلين فيها من قنابلهم ومتفجراتهم.وخطفوا الأبرياء الآمنين الذين جاءوا من مختلف بقاع الأرض، لكسب العيش والرزق ولم يراعوا غربتهم ووحشة وحدتهم، فنكلوا بهم وذبحوهم كما تذبح النعاج دون خوف من الله أو حياء من الناس، وتعدوا على كل الأعراف الدولية والبروتوكولات المتبعة فإعتدوا على الدبلوماسيين وخطفوا السفراء وأعدموهم بلا وجه حق، وهو إعتداء وتجن سافر، لا يمارسه إلا كل مجرم وكافر، وفجروا أنابيب النفط ومحطات توليد الكهرباء، ومصادر المياه، وهي ثروات وخيرات العراق والتي بها تسير عجلة الحياة ويتعيّش من وراءها الناس لكونها مصدر قوتهم ورزقهم.فأي كتاب وأية سنة أو شريعة تبيح لهؤلاء الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعقة، أن يرتكبوا كل تلك الجرائم الفظيعة، والممارسات الوحشية والبربرية بحق البشر الأبرياء، ويتمادون في حقدهم وغيهم وطغيانهم، ويجيزون لأنفسهم أن يريقوا الدماء ويزهقوا الأرواح البريئة، ويتخذون من الدين – والدين منهم براء – ستارا لإرتكاب جرائمهم النكراء، التي يشيب لها الجنين في بطن أمه، ويستنكر أعتى وأخطر المجرمون في العالم أفعالهم وأعمالهم التي فاقت في وحشيتها وبربريها كل تصور وخيال.ولماذا هؤلاء الهمج الرعاع والوحوش الضارية، وملة الكفر والنفاق والظلام يكفروننا، ونحن ندين بالإسلام – دين المحبة والتسامح والسلام - ونتبع ونسيرعلى خطى أهل بيت رسولنا الأعظم – صلى الله عليه وآله وسلم - صاحب الرسالة السماوية، وخاتم الأنبياء والرسل، ولماذا هم يصدرون فتاويهم وأكاذيبهم بحق أتباع أهل البيت – عليهم السلام – بتكفيرهم وجواز قتلهم وذبحهم وهتك أعراضهم والتمثيل بجثثهم، ولا ندري أين رجال المسلمون مضوا حتى تتحكم تلك الشرذمة الكافرة المارقة، من قطاع الطرق والفارين من وجه العدالة، بمصير البشر وإشاعة الخوف والرعب والدمار والخراب في ديار المسلمين وغيرهم من البشر في ربوع العالم، ولم يجدوا من يوقفهم ويستنكر ويشجب أعمالهم الاجرامية، وممارساتهم الوحشية والارهابية

ماذا أنتم فاعلون .. إذا ما نضب نفط آباركم ؟1

بقلم : محمد خليل الحوري
النفط هو عصب الحياة، ولولاه لتوقفت عجلات المصانع عن الحركة والدوران ، ولتوقفت المنشآت الصناعية وإنقرضت الصناعات، ولولاه لتوقف أزيز الطائرات ودويّ السيارات والآليات والقاطرات، لصمتت أصوات المحركات والمولدات التي تنتج الطاقة والكهرباء، والنفط هو الذي يبعث نبض الحركة والحياة في شرايين الآلات والأجهزة والمعدات ويحرك أوصالها ويدير مفاصلها ومن أجل النفط وأهميته القصوى والإستراتيجية والإقتصادية، كلفت جيوش الدول الإستعمارية نفسها مشقة وعناء عبور البحار والمحيطات، وإجتياز الجبال والسهول والوديان، ومجابهة الأخطار والأهوال والفناء، للسيطرة والهيمنة على منابع النفط والمعادن والثروات التي يسيل لها لعابها، وتحرك في أعماق نفسها مكامن الجشع والأطماع، وحب التحكم والتملك والسيطرة على مقدرات الشعوب. ومن أجل النفط، لا تزال الدول الكبرى تخوض الحروب وتشن الهجمات، وتزحف بأساطيلها العسكرية وببارجاتها الحربية إلى البحار والخلجان والمحيطات، لتكون قريبة من آبار النفط ومصانع التكرير، ولتكون تحت سمعها وبصرها، وتحت حمايتها وسيطرتها وهيمنتها، فإذا ما أرادت إحدى الدول الغازية والطامعة الأخرى، التجرؤ من الإقتراب منها أو إحتلالها كانت لها بالمرصاد، لتؤمن لنفسها ما تطمع إليه من تلك الثروات والخيرات. وفوق هذا وذاك، فإن النفط لن يدوم تدفقه إلى أبد الأبدين ولن تستمر خيراته تنهال علينا إلى أن تقـوم الساعة، ومـا هي إلاّ سنوات معدودة، يقدرها العلماء والخبراء بحوالي بخمسة وعشرين عاما أو تزيد، وساعتها ستجف منابع النفط، وتتوقف الدماء التي تضخ في شرايين كل تلك الآلات والمعدات والآليات المختلفة، والتي يديرها ويحركها هذا السائل السحري، الذي يسمى الذهب الأسود.فما هو العمل وما هو البديل ؟ وماذا أنتم وقتها ستفعلون ؟! وهل أنتم خططتم منذ البداية لمواجهة مثل هذا الموقف الصعب والمعقد والشائك ؟ كما خطط المفكرون والعلماء في الدول الحيّة التي عادة ما تخطط وتتخذ الإحتياطات والإجراءات اللازمة، وتجري البحوث والتجارب المتواصلة على الكثير من الأمور والقضايا، وفي مختلف مناحي الحياة، لتُوجد البديل وتقترح الحلول المثلى والناجعة تحسبا لما سيحدث في المستقبل القريب والبعيد، لكي تتجنب مواجهة الصعاب والأزمات في أحلك الظروف وأسوأها.فالدول المتقدمة تواصل البحث والتنقيب، وتقوم بإجراء التجارب المختبرية والبحوث العلمية والعملية، والدراسات الشاملة على العديد والكثير من الشؤون والقضايا العامة - الطبية منها والعلمية والصناعية وغيرها من أبحاث في علوم التكنولوجية المختلفة، وكذلك كل ما يهم مستقبل وحياة الإنسان لعلها تتوصل إلى إكتشاف الجديد والمفيد والنافع، أو الوصول إلى العلاج الناجع لكثير من الأمراض المستعصية والمزمنة، وقد تنجح في إختراع الأجهزة والمعدات التي تساهم في إسعاد ورفاهية ورقي وتقدم الإنسان.فها هي اليابان على سبيل المثال لا الحصر، تجري تجارب وبحوث مضنية، من أجل التوصل إلى إكتشاف أو تصنيع النفط من مواد متوفرة بكميات كبيرة وبأسعار زهيدة، وهي تجري بحوثها وتجاربها في الوقت الحاضر - على روث البهائم لتصنيع النفط - ومن يدري وربما ما هي إلاّ سنوات قليلة وتعلن اليابان عن نجاحها في تصنيع النفط من تلك المواد والفضلات التي يمكن الحصول عليها بكميات وفيرة، كما نجحت في السابق من تصنيع اللؤلؤ الصناعي، الذي نافس اللؤلؤ الطبيعي، وأطاح به وأصبح نادر الوجود، وتشهد اليابان ثورة تكنولوجية عارمة، كما هي من الدول الصناعية الكبرى المتقدمة في العالم.والطاقة النووية هي المرشحة لأن تكون البديل للحصول على الطاقة والكهرباء في المستقبل، وستصبح هي عصب الحياة، وستكون هي المحرك والدينامو لكافة أوجه الحياة، وسيكون من يملك الطاقة النووية هو من يمتلك الحياة، ولا بد أنه ستكون هناك دولا تمتلك وتتحكم بتلك الطاقة النووية، وقد تكون هناك دولا منتجة أو مصدرة للطاقة النووية، كما هو حال الدول المنتجة للنفط في وقتنا الحالي.ولهذا نرى أميركا والدول الأوربية، وهي تمتلك الطاقة النووية بالإضافة لإمتلاكها للأسلحة النوية وأسلحة الدمار الشامل، ولكنها تضع العقبات والعراقيل وتفرض الشروط على الدول التي تعمل على إمتلاك الطاقة النووية، وإن كانت تسعى لإستخدامها في الأغراض السلمية، لتتحكم هي بتلك الطاقة في المستقبل.فهذه الدول الأوربية التي تواجه ضغوطا من أميركا، تختلق أزمة دولية لبعض الدول ككوريا الشمالية وإيران وغيرها من الدول، ولنأخذ إيران على سبيل المثل، فقد نجحت في تخصيب اليورانيوم ولديها عدة مفاعلات نووية، وهي تنتج الطاقة النووية بالفعل، وتستخدمها في أغراض سلمية - كتوليد الطاقة الكهربائية - ولكون الكيان الصهيوني يتخوّف ويتوقع إمكانية إيران من إنتاج أسلحة نووية خلال ثلاث سنوات ونصف وبالتالي فالكيان الصهيوني يضغط على أميركا، وهي بدورها تضغط على الدول الأوربية، لمنع إيران من مواصلة تخصيب اليورانيوم، وهذه الدول تهدد إيران تارة وتغريها بالحوافز تارة أخرى، من أجل أن تلغي برنامجها النووي، وتسلم لهم الجمل بما حمل - كما فعلت ليبيا - وهي اليوم تحظى بعلاقات طبيعية مع أميركا والدول الأوربية الحليفة لها، بعد ما واجهت الحصار الإقتصادي والمضايقات والتهديدات والوعود، لدرجة أدت إلي التطاول على سيادتها وإستقلالها، والإعتداء عليها بتوجيه ضربة عسكرية لها من قبل أميركا.ولكن إيران ترفض الإنصياع لرغبات أميركا، لكون أميركا ترضخ للضغوط الصهيونية العالمية، وهي تعمل المستحيل في سبيل كسب ود ورضا الكيان الصهيوني، الأمر الذي جعل أميركا تمرر الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، لتكتسب الشرعية الدولية في مهاجمة إيران وشن الحرب عليها، بعد أن فشلت وكالة الطاقة النووية حسم الموضوع بحيادية، لكون تلك الوكالة تخضع كما تخضع هيئة الأمم المتحدة بعظمتها، للهيمنة والضغوط الأميركية والصهيونية.والدول العربية والإسلامية جميعها، مطالبة لأن تتحرر من السيطرة والهيمنة الأميركية، وأن تتحلى بالشجاعة وترفض الإملاءات الأميركية لها، وأن تتحرك بسرعة للحصول وإمتلاك التكنولوجيا النووية، لإستخدامها في الأغراض السلمية، وهو حق مشروع لها لأن تمتلك ومنذ زمن بعيد حتى الأسلحة النووية لحفظ التوازن العسكري في المنطقة، كما هو الحال بالنسبة للهند وباكستان، وهما تمتلكان الأسلحة النووية، ودون تكليف نفسيهما الإنضمام إلى منظمة الطاقة النووية.وكان الكيان الصهيوني يجري التجارب والبحوث النووية، بهدف تصنيع الأسلحة النووية مند مطلع الخمسينات، بمساعدة ودعم أميركا وفرنسا وبريطانيا، بحجة أن هذا الكيان الغاصب مهددا من قبل جيرانه العرب، وهو لهذا اليوم لم يوقع على إتفاقيات حظر الأسلحة النووية، وهو يمتلك ترسانة من الأسلحة النووية، وكذلك أسلحة الدمار الشامل، التي تهدد أمن وسلامة وإستقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها، وأميركا والدول الحليفة لها يغضون الطرف عنه، ويلتزمون الصمت تجاه الأخطار والتهديدات والإنتهاكات الصارخة التي يمثلها، وبرغم إرهاب الدولة الذي يمارسه ضد الشعب الفلسطيني، وكأنه فوق القانون وفوق كل الشبهــات. في حين نرى تلك الدول تهـب وتفـزع، وتقيـم الأرض ولا تقعدها حين يتعرض هذا الكيان الغاصب لأية إنتقادات أو تثار بحقة قضية ما، كإكذوبة المحرقة النازية ( المعروفة بالهولوكوست ) وهي تتحرك على أعلى المستويات وتعمل بكامل طاقتها وقدرتها، وتشحذ الهمم وتسخر كافة الإمكانيات في سبيل إسداء الخدمات والدفاع عن مصالح الكيان الصهيوني.وهي التي تفرض القيود والعراقيل أمام إيران التي وقعت على إتفاقية حظر الأسلحة النووية، بالإضافة إلى التوقيع على البروتوكول الإضافي، الذي يجيز للوكالة الدولية للطاقة بالتفتيش المفاجئ على منشآتها النوية في آية لحظة، وهي تعمل كل ذلك وتختلق الأزمات وتصعد الأوضاع وتأزمها، خوفا على وجود ذلك الكيان الغاصب – كما تدعي وتتبجح بكل وقاحة وهي تسعى للمحافظة على تفوفه العسكري والإستراتيجي، وثبات سيطرته وهيمنته على الأوضاع في المنطقة.ولهذا السبب الإستراتيجي، يجب على الدول العربية والإسلامية بأن تسعى جاهدة لإمتلاك التكنولوجيا النووية، لتتمكن الأجيال القادمة من الحصول على الطاقة النووية بسهولة ودون عناء أو مشقة، ودون الحاجة إلى اللجوء إلى الأخرين للحصول عليها تحت شروط وضغوط وإملاءات كثيرة، والتي ربما تتحكم بأسعارها أو تمنعها عنهم في أية لحظة، أو ربما تستخدمها كسلاح تهددهم به، عند نشوب خلافات أو نزاعات أو مصادمات أو حروب وغيرها من أمور طارئة معها