الأربعاء، ديسمبر ٢٠، ٢٠٠٦

هل تصلح الديمقراطية ما أفسده الدهر ؟

هل تصلح الديمقراطية ما أفسده الدهر؟ بقلم: محمد خليل الحوري
نتيجة لتنامي وتصاعد وتيرة أعمال العنف والإرهاب والحروب في دول العالم الثالث، وحدوث عمليات إرهابية وتفجيرات في أماكن مختلفة من دول العالم، من نيروبي ودار السلام وجاكرتا إلى الدار البيضاء والخبر والرياض والدمام، ومن الكويت وعمان والقاهرة إلى مدريد وأنقرة وإسطنبول ولندن وواشنطن ونيويورك، وكان أشدها فتكا وخطورة ووقعا على النفس تلك الاعتداءات الإرهابية التي حدثت في الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول من العام 2001 م في عقر دار أكبر وأقوى دولة في العالم، تعرضت تلك الدول لحالات من الإرهاب الدموي الذي سقط إثره العشرات، بل المئات من الضحايا الأبرياء من مسلمين وغير مسلمين، وأريقت دماؤهم - ظلما وعدوانا - واستمر طوفان الإرهاب ونزيف الدم يضرب دولا أخرى كالعراق وأفغانستان، بسبب تهور الإدارة الأميركية بشن حروبها وتصعيد عدوانها، بحجة الحرب على الإرهاب، ولكن هذا الإرهاب قد تصاعد وارتفعت وتيرته حتى وصل إلى أقصى مداه، واتخذ أبعادا خطيرة امتدت لتطول الأبرياء في عقر دارهم ومساجدهم وأسواقهم ومراكز تجمعاتهم، وذلك بتصفيتهم جسديا - مع سبق الإصرار والترصد - عبر استهدافهم وقتلهم على الشك والظنة، عن طريق السيارات المفخخة والمتفجرات ومدافع الهاون والأحزمة الناسفة والأسلحة المختلفة، بالإضافة إلى تصعيد عمليات الخطف والقرصنة والتنكيل بهم، وتعريضهم للتعذيب النفسي والجسدي وذبحهم، أو قتلهم بدم بارد وعلى الهوية، أو تهجيرهم وطردهم من بيوتهم ومناطق سكنهم ومصادرة ممتلكاتهم وبيوتهم، وغالبية هذه التفجيرات طالت سفارات ومنشآت ومصالح أميركية أو لها ارتباط من قريب أو بعيد بأميركا في عواصم تلك الدول والمدن السياحية فيها
وعلى هذا الأساس ارتفعت أصوات في أميركا تطالب بدراسة الأسباب والمسببات التي أدت إلى حدوث مثل تلك الممارسات المعادية لأميركا، وإن كانت - في واقع الأمر - هي نتيجة لفشل سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة، وانحيازها الكامل للكيان الصهيوني، إلا إن أميركا المتغطرسة ألقت باللائمة وحملت المسئولية للأنظمة العربية، التي تمارس الضغوط على شعوبها، وتحرمهم من نيل حقوقهم المشروعة، والضغط عليهم في اتجاه حرمانهم من ممارسة الحريات العامة، وأبسطها حرية التعبير عن الرأي والفكر وربما العقيدة، وإن كانت دساتير بعض هذه الدول تتضمن نصوصا صريحة بأحقية وكفالة المواطن لممارسة مثل تلك الحقوق والحريات.وبعد أن حققت أميركا والقوى المتحالفة معها النصر على النظام البعثي في العراق وإخراجه من الكويت منهزما ذليلا يجر وراءه أذيال الخيبة والهزيمة والانكسار، وبعد أن جعلوا العراق تتراجع إلى الوراء عشرات السنوات، وفرضوا عليه حصارا اقتصاديا شاملا ومشينا، تضرر منه الشعب العراقي وعانى من ويلاته أكثر مما عانى النظام القمعي الحاكم نفسه، ولذلك سعت أميركا لأن تستثمر هذا الانتصار المدوي لصالحها، وتنصب من نفسها مصلحا اجتماعيا، لتحظى بكسب ود ورضا الشعوب العربية المغلوبة على أمرها، ففرضت نوعا من الوصايا على تلك الدول، وضغطت على أنظمتها لتغـير من أساليب وطرق تعاملها مع شعوبها، واللجوء إلى استخدام سياسة جديدة في أساليب التعاطي والتعامل معها، واتخاذ نوع من المرونة وإرخاء القيود عنها، وتخفيف الضغوط عن كاهلها، وإفساح المجال لها لتنال ما تصبو إليه من آمال وتطلعات بحرية تامة، ففرضت عليها أن تسعى جاهدة لتطبيق الديمقراطية كنهج في سبيل التغيير والإصلاح، لإعطاء تلك الشعوب الفرصة في المشاركة والمساهمة في صنع القرار، ولو بصورة جزئية وشكلية توحي لها بأن القيود المفروضة عليها قد رفعت، وحانت لها فرصة في إيجاد متنفس لها للتعبير عن حريتها وما تطمح إليه وبإمكانها إبداء رأيها في الكثير من الأمور العامة، من دون الحاجة إلى التخوف من سطوة السلطة وقسوتها أو من رهبة سياط الجلاد وجلاوزته. ولذلك هرعت بعض تلك الأنظمة العربية التي تقبلت الفكرة أو رضيت بالنصيحة الأميركية - ولو على مضض - فسارعت في إنشاء مجالس للشورى وتعيين أعضائها من الوجهاء والأعيان والمقربين من السلطة، في محاولة لإضفاء الوجاهة والتباهي والتفاخر أمام الدول الأخرى، وإضفاء نوع من البهرجة والدعاية السياسية، وإظهار حسن النوايا والرغبة في المصالحة، وإبداء نيتها الصادقة في التقارب مع شعوبها، بالإضافة إلى استغلال ذلك الحدث إعلاميا وسياسيا، ولفت انتباه الرأي العام العالمي لتحركها، للحصول على المزيد من المكاسب وإحراز التأييد لصالحها. وكذلك سعت بعض الأنظمة إلى الإقدام على خطوات أكثر جرأة نحو تطبيق النهج الديمقراطي المتبع في دول الديمقراطيات العريقة، والسماح بإجراء انتخابات نيابية وبلدية وإنشاء برلمان قد يضم بين دفتيه مجلسي النواب والشورى، كما جرى وأتبع في البحرين، وإن كانت مهمة مجلس النواب في الأساس هو التشريع والمراقبة والمحاسبة، ومجلس الشورى هو للاستشارة والمشورة، ولكن ما يطبق الآن هو مخالف لذلك.فكان الهدف الأساسي من هذا البرلمان هو إتاحة الفرصة لمشاركة الشعب في صنع القرار، وهي خطوة إيجابية نالت استحسان الجميع، وأعطت الفرصة لإعادة الثقة والتمكين من استتباب الأمن والاستقرار، والتقليل من حالات التوتر والغليان التي كانت تسود بين فترة وأخرى على مدى عقود من الزمن، وأنهت عقودا من الضغوط والقيود المفروضة، التي كان لها أثرها البالغ في إلغاء قوانين تدابير أمن الدولة الجائرة، وإطلاق سراح السجناء السياسيين والسماح بعودة المبعدين والمهجرين . ومشروع الإصلاح السياسي في البحرين هو خطوة إيجابية في الطريق الصحيح، ولكن هذا المشروع بحاجة ماسة إلى تطويره والقيام بإجراء تغييرات جذرية في التركيبة الهيكلية للنظم السياسية لترسيخ وتعميق المفاهيم الديمقراطية في المجتمع، والسعي الحثيث لتطبيق الديمقراطية الحقيقية، للحاق بركب دول الديمقراطيات العريقة، وجعل الشعب ينعم بأفق أوسع ومجالات أعم وأكبر في مضمار السباق الصحيح للديمقراطية
والحصول على المزيد من الحريات العامة والمكاسب الوطنية، ليسود الأمن والاستقرار والمحبة والسلام، ويتمتع المواطن بقسط كبير من الحرية والاطمئنان والثقة المتبادلة، ليضاعف جهوده في بدل المزيد من التضحية والعطاء، وبالتالي زيادة الإنتاج والعطاء ونمو وازدهار الاقتصاد الوطني، ليتمكن المواطن من العيش برخاء وسعادة ورفاهية.فهل تتمكن الديمقراطية من إصلاح ما أفسده الدهر وينعم المواطن بكل ما كان يحلم به، ويحقـق كـل ما كان يطمح ويتطلع إليه، من دون أية منغصات ومن دون أية مضايقات أو تحرشات، وبعيدا عن المنع والحرمان ووضع العقبات، والابتعاد عن عبث العابثين والحساد والحاقدين، الذين يسعون إلى تعكير صفو الأجواء، وبث الفرقة والتفرقة وإثارة الفتنة والأحقاد الدفينة، وإشاعة النعرات والنزعات القبلية والطائفية، لإشعال الحروب والنزاعات الطائفية التي لا تدر ولا تبقي، وتقضي على الأخضر واليابس ، وتهلك الحرث والنسل