هل تصلح الديمقراطية ما أفسده الدهـــر
بقلم : محمد خليل الحوري نتيجة لتنامي وتصاعد وتيرة أعمال العنف والإرهاب والحروب في دول العالم الثالث ، وحدوث عمليات إرهابية وتفجيرات في أماكن مختلفة من دول العالم ، من نيروبي ودار السلام وجاكرتا إلى الدار البيضاء والخبر والرياض والدمام ، ومن الكويت وعَمان والقاهرة إلى مدريد وأنقرة وإسطنبول ولندن وواشنطن ونيويورك ، وكان أشدها فتكا وخطورة ووقعا على النفس تلك الإعتداءات الإرهابية التي حدثت في الحادي عشر من سبتمبر / أيلول من العام 2001 م في عقر دار أكبر وأقوى دولة في العالم . ولقد تعرضت تلك الدول لحالات من الإرهاب الدموي الذي سقط من جراءه العشرات بل المئات من الضحايا الأبرياء من مسلمين وغير مسلمين ، وإريقت دماءهم – ظلما وعدوانا - وإستمر طوفان الإرهاب ونزيف الدم يضرب دول أخرى كالعراق وأفغانستان ، بسبب تهور الإدارة الأميركية بشن حروبها وتصعيد عدوانها ، بحجة الحرب على الإرهاب ، ولكن هذا الإرهاب قد تصاعد وإرتفعت وتيرته حتى وصل إلى أقصى مداه . وإتخذ أبعادا خطيرة إمتدت لتطول الأبرياء في عقر دارهم ومساجدهم وأسواقهم ومراكز تجمعاتهم ، وذلك بتصفيتهم جسديا – مع سبق الإصرار والترصد - عبر إستهدافهم وقتلهم على الشك والظنة ، عن طريق السيارات المفخخة والمتفجرات ومدافع الهاون والأحزمة الناسفة والأسلحة المختلفة ، بالإضافة إلى تصعيد عمليات الخطف والقرصنة والتنكيل بهم ، وتعريضهم للتعذيب النفسي والجسدي وذبحهم ، أو قتلهم بدم بارد وعلى الهوية ، أو تهجيرهم وطردهم من بيوتهم ومناطق سكنهم ومصادرة ممتلكاتهم وبيوتهم ، وأغلب هذه التفجيرات قد طالت سفارات ومنشآت ومصالح أميركية أو لها إرتباط من قريب أو بعيد بأميركا في عواصم تلك الدول والمدن السياحية فيها . وعلى هذا الأساس إرتفعت أصوات في أميركا تطالب بدراسة الأسباب والمسببات التي أدت إلى حدوث مثل تلك الممارسات المعادية لأميركا ، وإن كانت - في واقع الأمر - هي نتيجة لفشل سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة ، وإنحيازها الكامل للكيان الصهيوني ، إلاَ إن أميركا المتغطرسة ألقت باللائمة وحملت المسؤولية للأنظمة العربية ، التي تمارس الضغوط على شعوبها ، وتحرمهم من نيل حقوقهم المشروعة ، والضغط عليهم في إتجاه حرمانهم من ممارسة الحريات العامة ، وأبسطها حرية التعبيرعن الرأي والفكر وربما العقيدة ، وإن كانت دساتير بعض هذه الدول تتضمن نصوصا صريحة بأحقية وكفالة المواطن لممارسة مثل تلك الحقوق والحريات . وبعد أن حققت أميركا والقوى المتحالفة معها النصرعلى النظام البعثي في العراق وإخراجه من الكويت منهزما ذليلا يجر وراءه أذيال الخيبة والهزيمة والإنكسار ، وبعد أن جعلوا العراق تتراجع إلى الوراء عشرات السنوات ، وفرضوا عليها حصارا إقتصاديا شاملا ومشينا ، تضرر منه الشعب العراقي وعانى من ويلاته أكثر من ما عانى النظام القمعي الحاكم نفسه ، ولذا سعت أميركا لأن تستثمر هذا الإنتصار المدوي لصالحها ، وتنصب من نفسها مصلحا إجتماعيا ، لتحظى بكسب ود ورضاء الشعوب العربية المغلوبة على أمرها ، ففرضت نوعا من الوصايا على تلك الدول ، وضغطت على أنظمتها لتغـّير من أساليب وطرق تعاملها مع شعوبها . وأن تلجأ إلى إستخدام سياسة جديدة في أساليب التعاطي والتعامل معها ، وأن تتخذ نوعا من المرونة وإرخاء القيود عنها ، وتخفيف الضغوط عن كاهلها ، وإفساح المجال لها لتنال ما تصبو إليه من آمال وتطلعات بحرية تامة ، ففرضت عليها أن تسعى جاهدة لتطبيق الديمقراطية كنهج في سبيل التغيير والإصلاح ، لإعطاء تلك الشعوب الفرصة في المشاركة والمساهمة في صنع القرار ، ولو بصورة جزئية وشكلية توحي لها بأن القيود المفروضة عليها قد رفعت ، وأصبح لها فرصة في إيجاد متنفسا لها للتعبيرعن حريتها وما تطمح إليه وبإمكانها إبداء رأيها في الكثير من الأمور العامة ، دون الحاجة للتخوف من سطوة السلطة وقسوتها أو من رهبة سياط الجلاد وجلاوزته . ولذا هرعت بعض تلك الأنظمة العربية التي تقبلت الفكرة أو رضيت بالنصيحة الأميركية - ولو على مضض - فسارعت في إنشاء مجالس للشورى وتعيين أعضاءها من الوجهاء والأعيان والمقربين من السلطة ، في محاولة لإضفاء الوجاهة والتباهي والتفاخر أمام الدول الأخرى ، وإضفاء نوعا من البهرجة والدعاية السياسية ، وإظهار حسن النوايا والرغبة في المصالحة ، وإبداء نيتها الصادقة في التقارب مع شعوبها ، بالإضافة إلى إستغلال ذلك الحدث إعلاميا وسياسيا ، ولفت إنتباه الرأي العام العالمي لتحركها ، للحصول على المزيد من المكاسب وإحراز التأييد لصالحها . وكذلك سعت بعض الأنظمة إلى الإقدام على خطوات أكثر جرأة نحو تطبيق النهج الديمقراطي المتبع في دول الديمقراطيات العريقة ، والسماح بإجراء إنتخابات نيابية وبلدية وإنشاء برلمان قد يضم بين دفتيه مجلسي النواب والشورى ، كما جرى وأتبع في البحرين ، وإن كانت مهمة مجلس النواب في الأساس هو التشريع والمراقبة والمحاسبة ، ومجلس الشورى هو للإستشارة والمشورة ، ولكن ما يطبق الآن هو مخالفا لذلك . فكان الهدف الأساسي من هذا البرلمان هو إتاحة الفرصة لمشاركة الشعب في صنع القرار ، وهي خطوة إيجابية نالت إستحسان الجميع ، وأعطت الفرصة لإعادة الثقة والتمكين من إستتباب الأمن والإستقرار ، والتقليل من حالات التوتر والغليان التي كانت تسود بين فترة وأخرى على مدى عقود من الزمن ، وأنهت عقود من الضغوط والقيود المفروضة ، الذي كان لها أثرها البالغ في إلغاء قوانين تدابير أمن الدولة الجائرة ، وإطلاق سراح السجناء السياسيين والسماح بعودة المبعدين والمهجرين . ومشروع الإصلاح السياسي في البحرين هو خطوة إيجابية في الطريق الصحيح ، ولكن هذا المشروع بحاجة ماسة لتطويره والقيام بإجراء تغييرات جذرية في التركيبة الهيكلية للنظم السياسية لترسيخ وتعميق المفاهيم الديمقراطية في المجتع ، والسعي الحثيث لتطبيق الديمقراطية الحقيقية ، للحاق بركب دول الديمقراطيات العريقة ، وجعل الشعب ينعم بأفق أوسع ومجالات أعم وأكبر في مضمار السباق الصحيح للديمقراطية . والحصول على المزيد من الحريات العامة والمكاسب الوطنية ، ليسود الأمن والإستقرار والمحبة السلام ، ويتمتع المواطن بقسط كبير من الحرية والإطمئنان والثقة المتبادلة ، ليضاعف جهوده في بدل المزيد من التضحية والعطاء ، وبالتالي زيادة الإنتاج والعطاء ونمو وإزدهار الإقتصاد الوطني ، ليتمكن المواطن من العيش برخاء وسعادة ورفاهية . فهل تتمكن الديمقراطية من إصلاح ما أفسده الدهر وينعم المواطن بكل ما كان يحلم به ، ويحقـق كـل ما كان يطمح ويتطلع إليه ، دون أي منغصات ودون أي مضايقات أو تحرشات ، وبعيدا عن المنع والحرمان ووضع العقبات ، والإبتعاد عن عبث العابثين والحساد والحاقدين ، الذين يسعون إلى تعكير صفو الأجواء ، وبث الفرقة والتفرقة وإثارة الفتنة والأحقاد الدفينة ، وإشاعة النعرات والنزعات القبلية والطائفية ، لإشعال الحروب والنزاعات الطائفية التي لا تدر ولا تبقي ، وتقضي على الأخضر واليابس ، وتهلك الحرث والنسل .