الجمعة، يونيو ٠٨، ٢٠٠٧

عندما تصبح الديمقراطية حصان طروادة !1

بقلم : محمد خليل الحوري لا تزال الديمقراطية غريبة على مجتمعاتنا العربية .. والناس لا تزال تجهل الكثير من المفاهيم الديمقراطية ، أو بالأحرى تفتقد الوعي الديمقراطي ، والناس أعداء ما يجهلون – كما يقال - وإلى عهد قريب كان بعض المشايخ – المحسوبين على التيار الديني - يعتبرون الديمقراطية بدعة من بدع دول الكفر والضلالة ورجس من عمل الشيطان ، وينظرون إلى الدعاة إليها بأنهم متمردون على تعاليم الدين الإسلامي ، وحين أعلن عن فرض الديمقراطية من قبل أميركا وبعض الدول الأوروبية ، وحينما أراد البعض تجربتها على أرض الواقع ، هرع البعض من هؤلاء المشايخ في المشاركة في اللعبة الديمقراطية ، وأصبحوا يتشدقون ويتباهون بها ، وكأنهم سدنتها وخزنتها وحماتها ، وإن كانوا لا يرغبون في سبر أغوارها ، ونشر مفاهيمها بين عامة الناس ، مما حدى بالبعض لإتهامهم بأنهم يتحيّنون الفرصة للإنقلاب والإنقضاض عليها .1 في حين نرى بأن البعض لا يزال يجهل تعاليم ومفاهيم اللعبة الديمقراطية ، وإن إشترك في اللعبة السياسية ودخل حلبة البرلمان وساحة الميدان ، فهو يعتبر نفسه ممثلا لمنطقته أو جماعته الذين رشحوه وإنتخبوه ليمثلهم في هذا البرلمان ، وهذا يعكس مدى جهل هؤلاء بالمفاهيم والتعاليم الديمقراطية ، ومن المفروض والمعروف بأن يكون النائب في البرلمان ممثلا لكافة أفراد الشعب ، بغض النظر عن مناطقهم أو إنتماءاتهم الفكرية والمذهبية ، وكل فرد من هؤلاء النواب سوى أنتخبته بعض فئات الشعب ، أم لم تنتخبه ، فهو مسئول ومطالب بتمثيلهم تحت قبة البرلمان .1 وهناك البعض من هؤلاء النواب ، ممن لديه إرتباط وثيق بالسلطة التنفيذية ، فهو يهادنها ويجاملها تارة ، ويتصرف مع ما يناسب مصالحها ويحقق رغباتها تارة أخرى ، ضاربا بعرض الحائط كل ما تعهد به في أجندته الإنتخابية أمام ناخبيه ، ومتناسيا مصالحهم وتطلعاتهم وما يطمحون إليه ، وهناك أسباب عديدة دعت مثل هؤلاء النواب ، لأن يسلكوا هذا الدرب ، وينزلقوا في هذا المطب ، حسب قناعات ومصالح خاصة ومتبادلة بينهم وبين السلطة التنفيذية ، لسنا بصدد الخوض في متاهاتها ، والبحث والتحري لمعرفتها والوصول إلى جذورها .1 والديمقراطية أصبحت في عصرنا هذا طريقا لكسب الشهرة والجاه والصولجان على مستوى الأفراد والحكومات ، وإتخذتها بعض الأنظمة الشمولية لتمرير مخططاتها وتنفيذ مآربها ، وما تسعى لتحقيقه من أهداف ونوايا على المدى القريب والبعيد ، وتكون هي في مأمن من توجيه التهم والإتهامات إليها ، وإثارة الشكوك والشبهات حول ممارساتها وتحركاتها ، وفي الوقت نفسه تحظى بدعاية وسمعة طيبة في الأوساط المحلية والدولية ، ولكن – مهما طال الخداع والتضليل ، فسوف تنكشف أهدافها ونواياها إن آجلا أو عاجلا .1 وهناك من الدول الكبرى والتي تتشدق وتفتخر بأنها من دول الديمقراطيات العريقة ، نراها سرعان ما تتنكر لتلك الديمقراطية وتتخلى عنها في أحلك الظروف ، عندما تتعارض أو تتضارب مع مصالحها وأهدافها ، وما قامت به أميركا والدول الأوروبية الأخرى بحجة محاربة الإرهاب في بلدانها ، وما إقترفته من إنتهاكات صارخة في أماكن متعددة من هذا العالم ، وخاصة في سجون جوانتانامو في كوبا ، وأبوغريب في العراق ، وفي سجونها السرية في بعض الدول الأوروبية وغير الأوروبية ، وما جره غزو أفغانستان والعراق من قبل أميركا من كوارث وويلات ودمار ومآسي ، وما إرتكبته وترتكبه من مجازر ومذابح بحق الأبرياء هناك ، بالإضافة إلى دعم ومساندة الكيان الصهيوني ، وما يرتكبه من أعمال وحشية وبربرية بحق الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني المظلوم ، لهو أكبر دليل وخير برهان على التعدي على الديمقراطية وإنتهاك حقوقها ومكتسباتها .1 فأين واحة الديمقراطية الفيحاء .. وأين الجنة الموعودة التي وعدوا الناس بها في العراق .. التي حولوها إلى ساحة من سوح الحرب وإراقة دماء الأبرياء ، ووكرا من أوكار القتل والجريمة المنظمة .. وأصبح أبناء الشعب العراقي لقمة سائغة لعصابات الإرهاب من القاعدة والتكفيريين المتحالفة مع عصابات النظام البائد ، وأصبحت العراق جحيم لا يطاق .. وأين الأمن والأمان والسلام الذي توقعوه أن يعم في ربوع أفغانستان .. التي لا تزال تشتعل فيها النيران .. وتدور فيها رحى المعارك والقتال في كل مكان .1 وما الإنقلاب على الديمقراطية والتنكر لها في الكثير من البلدان ، مثل الجزائر التي رفضت القبول بنتائج الإنتخابات التي لم تكن في صالح الحزب الحاكم في التسعينات ، وفي فلسطين التي رفضت أميركا والكيان الصهيوني نتائج الإنتخابات فيها ، وقد قام الكيان الصهيوني بإختطاف الكثير من الوزراء والنواب في الحكومة المنتخبة من قبل الشعب الفلسطيني ، وإعتقالهم إعتقالا تعسفيا وظالما ، وراحت أميركا والدول الأوروبية وغيرها يغضون الطرف ويلتزمون الصمت ، أمام تلك الإجراءات والتصرفات البربرية والهمجية ، والإستهتار بكل المبادئ والأعراف والمواثيق الدولية من قبل ذلك الكيان الغاصب .1 وما التزوير والتدخل السافر والمفضوح من قبل السلطات والأحزاب الحاكمة في بعض الدول الشمولية ، لتغيير نتائج وسير الإنتخابات البلدية والبرلمانية والرئاسية ، إلاّ إمتدادا لما تتعرض له الديمقراطية من هجمة شرسة وإختراق فاضح لتعاليمها ومبادئها ، وتجاوزات خطيرة تهددها وتزلزل أركانها ، وتفرغها من محتواها ومفاهيمها ومن أهدافها السامية والنبيلة ، والتي هي تمثل أسمى معاني العدالة والحرية والعزة والكرامة ، للشعوب في كافة دول العالم - بلا إستثناء - إن هي طبقت بحذافيرها .1 وأخيرا ها هي أميركا التي أرادت أن تفرض الديمقراطية على الدول العربية وغيرها ، وتلزمها بتطبيقها على نظام الحكم السياسي فيها ، لتتمكن من إعطاء شعوبها المزيد من الحريات العامة ، ورفع الحصار والضغوط والظلم التي تعاني منها تلك الشعوب ، ولكن إتضح بأن أميركا لم تكن جادة في الأمر ، ففي بعض المحاولات والتجارب لتطبيق الديمقراطية في بعض الدول ، جاءت النتائج بما لا تشتهي سفن أميركا وتلك الدول التي خاضت التجربة ، فأدارت أميركا ظهر المجن لتلك الديمقراطية المزعومة ، فتركت الحبل على الغارب لتلك الأنظمة ، وغضت الطرف عنها وهذه الدول أصلا ، لا تحبذ بأن تتخذ النظام الديمقراطي بديلا - وهي في واقع الأمـر - لا تستسيغها ولا تميل إليها ، وتعتبرها حجر عثرة في طريقها ، وهي التي تعودت على حكم الناس بالحديد والنار ، في ظل أنظمة شمولية ودكتاتورية .1 وتظل الشعوب في النهاية هي الضحية دائما ، وهي التي عادة ما تدفع الثمن الباهض لأهواء ورغبات الكبار ومن يدور في فلك أميركا ، وتتعرض للظلم والتنكيل والممارسات القمعية والهمجية الوحشية من قبل تلك الأنظمة الشمولية ، وإذا ما ارادت أن تطالب بحقوقها وتستعيد حريتها وعزتها وكرامتها ، فستكون المواجهة الدامية من قبل عساكر السلطات مصيرها المحتوم ، وستزج بجموع الجماهير في غياهب السجون والمعتقلات ، لتكون مقرها ومستقرها المشؤوم .1