السبت، يناير ١٢، ٢٠٠٨

رســــالة عاشـــــــوراء !!1

نـــــــــــــــــــــــــــزار حيدر عاشوراء، ليست حدثا آنيا.
وكربلاء، ليست جغرافيا محددة بقطعة ارض. انها رسالة السماء باسلوب آخر، على الكرة الارضية التي مثلتها كربلاء، تلك البقعة الطاهرة المقدسة، فهي، اذن، خالدة ما خلد الدهر، وممتدة ما امتد الزمان والمكان، فــ {كل ارض كربلاء....وكل يوم عاشوراء}. انها عنوان الصراع بين الخير والشر، بين الحب والكراهية، بين الحق والباطل، بين الايمان والكفر، بين العقل والعاطفة، بين العلم والجهل، بين الدين واللادين، بين الحقيقة والدجل، بين الوعي والتضليل. واذا كانت المعركة المسلحة بين الحق والباطل، قد بدات وانتهت في يوم عاشوراء عام (61) للهجرة، فان الحرب بينهما لا زالت ، وستبقى، قائمة، لم ولن تنتهي.
قد تتبدل الوسائل، وتتغير الاسماء والعناوين والوجوه والازياء، الا ان الهدف يبقى هو الهدف لا يتغير. الحق واهله هدفهم انصاف المظلوم واخذ الظالم من خزامته، اما الباطل واهله، فهدفهم التجبر في الارض والاستعلاء على الناس والعدوان على حقوق الاخرين، تارة باسم الدين واخرى باسم الانسانية وثالثة باسم الديمقراطية والحضارة ، ورابعة وخامسة، وهكذا، تتبدل العناوين ويبقى الجوهر واحد.
فما هي رسالة عاشوراء، اذن؟ وماذا اراد سبط رسول الله (ص) الحسين بن علي بن ابي طالب عليه السلام بثورته؟ وهل من سبيل الى نصرة ثورة الحسين وحركته الرسالية، بعد مرور قرابة اربعة عشر قرنا على ذاك الحدث المهول الذي شهدته كربلاء في العاشر من المحرم عام (61) للهجرة؟.
اولا: الاصلاح عندما تنحرف الامة عن مسارها، والسلطان عن منهج الحق، والنظام السياسي عن الطريق السوي، يكون لا بد على الانسان (المسؤول) ان ينهض بواجبه ليصحح الانحراف ويدعو الامة الى الصراط المستقيم. وان من اخطر انواع الانحراف الذي يصيب الامة، هو عندما ينزو على السلطة امام جائر يعمل بعباد الله بالظلم والعدوان، ويتصرف بالمال العام وكأنه مال ابيه.
المهم هنا، هو ان تتم المبادرة للتغيير منذ بداية الانحراف وعدم ترك الخطأ يكبر وينمو ويتضخم، اذ كلما بكر (المسؤولون) في عملية التغيير، كلما كانت التضحيات اقل والخسائر بسيطة والثمن زهيدا، والعكس هو الصحيح، فعندما تترك الامة حابل الامر على غاربه، فتقف تتفرج على ما يحدث، وتمنح الانحراف فرصة اكبر ليتجذر ويتكرس ويستحكم وينتشر أثره، كلما كان التغيير اصعب، والثمن الذي يجب ان تدفعه من اجل الاصلاح اكبر وابهض.
حدث هذا في العاشر من المحرم من عام (61) للهجرة، ويحدث ويتكرر المشهد كلما نزا على السلطة رجل ارعن منحرف فاسف فاجر شارب للخمر لاعب بالقرود والكلاب، لا يرعى الا ولا ذمة، كالطاغية يزيد بن معاوية، ومن على شاكلته.
وحدث هذا في العراق في التاسع من نيسان عام (2003) عندما سكت الناس على ما يفعله الطاغية الذليل المقبور صدام حسين، منذ ان نزا على السلطة، بمعية الحثالة الساقطة من السراق المسلحين الذين نفذوا عملية السطو المسلح على السلطة بانقلاب عسكري اطلقوا عليه اسم (الثورة البيضاء) {وان كان الطاغية لم يؤمن بشئ اسمه الثورة البيضاء، على حد قول الكاتب المصري محمد حسنين هيكل الذي نقل عنه قوله، ان صدام قال له مرة بانه يختلف مع الرئيس جمال عبد الناصر بتسمية الثورة بالبيضاء، فليس هناك ثورة بيضاء ابدا، فكل الثورات يجب ان تكون حمراء، اي دموية}.
فلو كان الناس قد واجهوا الانحراف لحظة وقوعه، لما تفرعن النظام السياسي ولما تجبر الطاغوت لدرجة انه استعصى على التغيير الا بثمن باهض وباهض جدا {في الحالة الاولى كان الثمن تراجيديا كربلاء واستشهاد سبط الرسول (ص)، وفي الحالة الثانية كان الثمن احتلال العراق وانزلاقه في دوامة العنف والارهاب}. لا بد من تغيير الانحراف لحظة حدوثه، او فليأت الطوفان باغلى الاثمان، وتلك هي سنة الله تعالى في عباده، وفي التاريخ، وكربلاء تحديدا، اكبر تجربة وبرهان، لمن القى السمع وهو شهيد.
ان الامراض التي تصيب المجتمع، تشبه الى حد بعيد، بطبيعتها وطريقة علاجها، تلك الامراض التي تصيب الانسان، فكما يحتاج المرء الى تشخيص نوعية المرض والمبادرة الى اخذ الدواء اللازم في الوقت المحدد، اذ سيتضاعف ويستفحل اذا ما تهاون فيه او رفض اخذ الجرعة اللازمة او كابر فلم يعترف به، لاي سبب كان، وتاليا قد يقضي عليه ويقتله، كذلك فان المرض الذي يتعرض له اي مجتمع من المجتمعات، قد ينمو ويستفحل ويزداد خطره حتى يقضي على المجتمع، او يكون بحاجة الى الكي على طريقة الحكمة التي تقول {آخر الدواء الكي} اذا كابر المجتمع، فرفض الاعتراف به او استرسل معه او رفض اصلاحه، او تماهل وسوف في أخذ المبادرة، او خاف من الاصلاح.
ولذلك قيل بان لكل عملية اصلاح ثمن، يجب ان يستعد المجتمع لتقديمه، في الزمان المعين والمحدد، وان الثمن يكبر ويكبر كلما تأخر المجتمع في عملية الاصلاح، حتى يصل الامر، في احيان كثيرة، الى استحالة الاصلاح لياتي دور الثورة او الحرب المسلحة او الفوضى او كل ما من شانه ان يعرض المجتمع لمخاطر جمة.
تاسيسا على هذه الحقيقة، يجب ان يكون شعار المجتمع للاصلاح {قبل فوات الاوان} من خلال الاسراع في تحديد الانحراف لحظة وقوعه، والمبادرة الى ايجاد الحلول والعلاجات المناسبة، وتاليا المبادرة الى ممارسة الاصلاح على ارض الواقع حتى لا تستفحل الامور فتنفلت من عقالها، فيكون الثمن باهضا جدا، حدث ذلك في عاشوراء عام (61) للهجرة، وفي التاسع من نيسان عام (2003) ويحدث في كل آن ومكان يكابر فيه المجتمع، وتأخذه العزة بالاثم، فيرفض الاعتراف بالخطا والانحراف والمرض الذي يصيبه، لاي سبب كان.
ومن اجل ان لا يتكرر المشهد فينزو على السلطة طاغية مثل يزيد ويقتل رجل مثل الحسين(ع)، لا بد من المبادرة الى الاصلاح حال وقوع الانحراف، بغض النظر عن سببه او المتسبب فيه. ثانيا: العار أم النار؟ لقد كتب الحسين بن علي (ع) في كربلاء اروع معادلة حياتية.
انها تقول ان {الموت اولى من ركوب العار، والعار اولى من دخول النار} فماذا تعني هذه المعادلة؟. قد يخير المرء بين الموت والعار، فعليه ان يختار الموت، وذلك هو الاختيار الطبيعي الذي يبادر اليه كل انسان ذي مروءة وشرف ودين ووطنية.
لا يناقش في النصف الاول من المعادلة، اذن، عاقل، انما النقاش والجدال في الشق الثاني منها، الا وهو عندما يخير الانسان بين العار والنار، فهنا يكمن الخطر ويبدا التحدي، اذ كثيرا ما يختار الناس النار على العار، لان النار شئ مؤجل الى الاخرة، اما العار فشئ معجل في الدنيا يتلمسه المرء في كل يوم، بل وفي كل لحظة، وان من طبيعة الانسان انه يختار العاجل على الاجل، لان الانسان {خلق عجولا) كما يصفه القران الكريم، ولان العاجل هو قرار العاطفة اما الآجل فهو قرار العقل والحكمة، ولان الانسان الذي يتنازعه العقل والعاطفة، كثيرا ما تتغلب الثانية على الاول، لذلك فانه يختار النار اذا ما خير بينها وبين العار، وهنا تكمن المصيبة.
وتبدا قصة الاختيار المعقدة والصعبة هذه كما يلي: عندما يشعر المرء بانه على خطا، او انه في طريقه لارتكاب خطا، يبدا الصراع الداخلي، من خلال التساؤل التالي؛ ترى هل لي من توبة؟ وهل لي من محاولة لتصحيح الخطا والعودة بنفسي الى جادة الصواب؟ ام انه قضي الامر الذي اتساءل فيه ومر الزمن ولم يعد بدا من مواصلة المشوار، وليكن ما يكون، اذ ليس هناك متسع من الوقت لتصحيح المسار والعودة به الى النقطة التي بدا منها الخطا والانحراف؟.
ويتساءل: ترى، ماذا سيقول الناس عني اذا تراجعت قليلا الى الوراء؟ الا يتهمونني بالجبن والضعف والتردد والخوف؟ اذن لا بد من الاستمرار في الطريق مهما بلغ الخطا واستفحل الانحراف. في هذه النقطة بالذات يبدا الاختيار، فترى الانسان يختار طريق الاستمرار في الخطا على ان يتراجع فيوصم بالجبن مثلا.
اما الحسين عليه السلام، فلقد علمنا ان لا نفكر بهذه الطريقة، علمنا ان نتحلى بالشجاعة فنقف فورا عند نقطة الانحراف حال الشعور بها، لتصحيح المسار، وليتهمنا الناس بما يشاؤون، ففي اليوم الاخر لا احد يدافع عن احد الا عمل الانسان، فماذا ينفعني الناس في ذلك اليوم اذا كنت قد كابرت في الحياة الدنيا لحظة شعوري بالخطا، ولم اقف في لحظة شجاعة وقفة مسؤولة لأحاسب بها نفسي فاعود الى المسار الصحيح؟.
ايها الانسان: ادفع ثمن تراجعك عن الخطا في الدنيا، تهمة او صفة سيئة، قبل الآخرة، النار وغضب الجبار، واليوم قبل الغد، اذ مهما كان الثمن غاليا في الدنيا، فانه يهون ازاء الثمن الذي يدفعه الانسان في الاخرة. في كربلاء، تراجع الحر بن يزيد الرياحي عن خطئه في آخر لحظة، ولقد كان في ظنه بان الفرصة قد مرت ولا مجال للتراجع، وان من غير المعقول ان الله تعالى يقبل التوبة في اللحظة الاخيرة، الا ان جواب الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) على سؤال الحر جاء مغايرا لتوقعاته، فعندما ساله {هل لي من توبة؟} قال له الامام {ان تبت تاب الله عليك}.
القرار، اذن، بيد الانسان، فهو الذي عليه ان يقرر تصحيح المسار من دون ياس او قنوط او اصرار على الخطا. كم من انسان خسر الدنيا والاخرة لانه تاخر في ايقاف الخطا عند حده خوف التهمة بالجبن مثلا او ما اشبه؟ وكم من انسان كابر واخذته العزة بالاثم ورفض الاصغاء الى نصيحة الناصحين، فقط لانه لا يريد ان يقول عنه الناس انه متردد او انه يغير رايه وموقفه؟.
لقد حاول الحسين بن علي عليهما السلام، ان ينصح جيش الغي ليرده عن ارتكاب الجريمة المنكرة، الا ان خوفهم من الفضيحة او تهمة الناس لهم بالجبن والخوف، حال بينهم وبين الاصغاء الى نصيحة العاقل المشفق، فاخذتهم العزة بالاثم، فاختاروا النار على العار، وتلك هي المصيبة الكبرى، ولو كان القرار لعقلهم لما اختاروا قتال السبط، الا انهم اسلموا قيادهم في تلك اللحظة الى المصالح الضيقة والانانية المقيتة، الى الشيطان الرجيم، فلم يروا الا الباطل سبيلا، فقدموا العاجل على الاجل وساء مصيرا.
حتى قائد جيش الضلال، عمر بن سعد، حاول الحسين عليه السلام ان يثنيه عن عزمه، الا انه ابى الاصغاء الى لغة العقل والدين خوف الاقالة عن قيادة الجيش، او فقدانه لملك الري، منيته، فجاء تحقيق المنى الزائلة على حساب ارتكاب فعلة نكراء وجريمة شنعاء سيظل التاريخ والاجيال تلعنها ما بقي الدهر، وفي الآخرة النار وغضب الجبار.
اولم يقل ابن سعد، عندما حدثه الحسين عليه السلام بالحقيقة طالبا منه الانصراف عنه وعدم مقاتلته؛ فوالله ما ادري واني لحــــــــائر افكر في امري على خطريـــــن أأترك ملك الري والري منيتـي ام ارجع مأثوما بقتل حـــــــسين حسين بن عمي والحوادث جمة لعمري ولي في الري قرة عيني ان اله العرش يغفر زلتـــــــــي ولو كنت فيها اظلم الثقليــــــــــن الا انما الدنيا بخير معجـــــــــل وما عاقل باع الوجود بديــــــــن يقولون ان الله خالق جنــــــــــة ونار وتعذيب وغل يديــــــــــــن فان صدقوا فيما يقولون اننــــي اتوب الى الرحمن من سنتيـــــن وان كذبوا فزنا بدنيا عظيمـــــة وملك عقيم دائم الحجليــــــــــــن علينا ان نحذر من ان نسترسل مع الخطأ، فنصل الى نقطة اللاعودة، والى نهاية المطاف، او خط النهاية، من خلال شعورنا باليأس وكون ان الفرصة قد مرت فلا مجال للتوبة او العودة والعدول عن الخطأ، انها وساوس الشيطان الذي يسول لابن آدم، بعدم جدوائية التوبة، وان الفرصة للعودة الى جادة الصواب قد ولت من غير رجعة، انه هو الذي يغلق ابواب العودة امام الانسان، وهو الذي يرسم خطوط النهاية لاصحاب النفوس الضعيفة، ولذلك يجب ان نحذره، فلا نصدق وسواسه او وعوده او تخيلاته واكاذيبه.
لنحذر كل ذلك، ولنتذكر دائما، بان كل نفس، بل كل شهيق لنا هو فرصة متجددة للتوبة وللاقلاع عن الخطا، فلا نيأس من رحمة الله تعالى، فنتردد في التوبة ونتشبث بالمعصية والخطأ، فمهما عظمت خطايانا، تبقى رحمة الله بعباده اوسع واشمل.
ان واحدة من اكبر مصائب الخطائين، يأسهم من التوبة، وظنهم بان وقتها قد فات اوانه، وكان التوبة محددة بوقت معين، ولذلك يواصلون طريق الخطا، بعد ان انقطع املهم بالتوبة والتراجع، فيكملون مشوارهم المنحرف بخطا اكبر وجريمة اعظم، كما هو حال عدو الله ابن ملجم الذي رد على سؤال امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، بعد ان ضربه تلك الضربة المسمومة القاتلة في محراب الصلاة في مدينة الكوفة المقدسة، وما اذا لم يكن له خير امام، في سالف الايام، اذ أجابة المجرم بقوله {افأنت تنقذ من في النار} وهو جواب اليائس من رحمة الله تعالى المستسلم لقدره، القانط من امكانية التراجع عن الذنب بالتوبة.
حدث ذلك في رمضان عام اربعين للهجرة، وتكرر المشهد مع الطاغية الارعن والذليل صدام حسين اذله الله في الدنيا واخزاه في الاخرة. ومن اجل ان لا يتكرر المشهد مع اي منا، علينا ان نتذكر بان باب الرحمة واسعة، وان رحمة الله تعالى عظيمة تسع ذنوب العباد، شريطة ان يتوبوا اليه توبة نصوحة، فلا يياسوا او يقنطوا او يترددوا في العودة اليه تعالى، ولا يظنون بانهم في نهاية المطاف، وقد فات الاوان عليهم، ابدا.
ثالثا: باب رحمة في كربلاء، كان الحسين عليه السلام، باب رحمة، ليس لاصحابه فقط، فذلك امر مفروغ منه، وانما حتى لمن لم يكن منهم، بل حتى لاولئك الذين حاربوه وجعجعوا به الى الطف ليواجه حتفه ويكتب التاريخ. لم يفكر الحسين عليه السلام بالانتقام ممن ظلمه عندما قدر على العفو، فكان مصداق المنقبة النبوية التي تقول {العفو عند المقدرة} ولم يحمل ضغينة ضد من حاصره ومنعه المنافذ وحال بينه وبين ارض الله الواسعة، ولم يحقد على من اسرج والجم وتهيأ وتنقب اخباره واسراره خدمة للطاغية يزيد بن معاوية، عندما لمس في مثلهم التوبة والعدول عن الخطأ والتراجع عن ارتكاب الجريمة، كما هو حال الحر بن يزيد الرياحي مثلا. درس كربلاء، اذن، ان يكون الانسان للانسان باب رحمة، فلا يغلق امامه باب الخير.
ان على الانسان ان يتعايش مع الانسان حتى اذا اختلف معه بالدين او المذهب او القومية او الراي، فالاختلاف سنة ورحمة وتكامل، لا ينبغي ان يتحول الى حافز للانتقام والقطيعة والعدوان والاعتداء والتخلف والتراجع، في لحظة تجلي الحقيقة.
ايها الانسان؛ لا تمنع الخير عن اخيك الانسان، اذا كان الخير بيدك. لا تفرض عليه امرا او تجبره على يبني راي تعتقد به ولا يراه هو. لا تحاصره بالخيار الاوحد، كما يفعل الطغاة، يزيد مثلا، عندما خير الحسين عليه السلام بين السلة والذلة فقط، بل حاول ان تضع امامه خيارات عدة لتساعده على حسن الاختيار، فباب الرحمة واسعة، وسعها الله تعالى، فلماذا تضيقها على الانسان، وتاليا على نفسك؟. لا تكن سببا لفشله، بل كن له بابا للنجاح والتقدم والغنى ما وسعك ذلك، خاصة اذا ما احسن الظن بك، ووجد فيك مثل هذه الباب، فالناس لبعضها، كما يقول المثل.
وفي كربلاء، كذلك، لم يفرح الحسين لانه يقتل اعداء الله، ولم يضحك لانه يراهم يدخلون النار بسببه، ولم تنفتح اساريره لانه شهد تمزق الامة التي انقسمت آنئذ بين الحق والباطل، بل بكى اعداءه لانهم اما جهلة واما ظالمون لانفسهم بسبب عدوانهم على كتاب الله الناطق وعدل القرآن وسبط رسول الله (ص). 7 كانون الثاني 2008

أت تكــون حســيـنيـا !!1

نـــــــــــــــــــــــــــزار حيدر NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM الانتماء الى الحسين عليه السلام، ليس لقلقة لسان، كما ان الانتماء الى كربلاء، ليس ادعاء فارغ من المحتوى والمضمون، انه تبني لرسالة وتحمل لمسؤولية وولاء لمنهج. اما ان ننتمي الى الحسين بن علي عليه السلام، ويحكمنا طاغوت كـ (صدام حسين) فهذا يعني ان هنالك خلل كبيرفي الفهم والوعي والادراك لمعنى الولاء والانتماء، وان هنالك اشكال في الاستيعاب، فكيف يمكن ان يجتمع الخير والشر في آن واحد؟. ان في كل نصوص زيارات المعصومين والائمة عليهم السلام، عبارات عميقة المعنى مثل العبارات {عارفا بحقكم} و {مستبصرا بشانك وبالهدى الذي انت عليه} و {المعترف بحقكم} و {مستبصرا بالهدى الذي انت عليه} و {عارفا بضلالة من خالفك} و {اشهد ان من اتبعك على الحق والهدى} و {اشهد انك كلمة التقوى وباب الهدى والعروة الوثقى} و {اشهد الله واشهدكم اني بكم مؤمن ولكم تابع} و {اني سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم} و {جئتك وافدا اليكم، وقلبي مسلم لكم، وانا لكم تابع} و {نصرتي لكم معدة، حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، فمعكم معكم لا مع عدوكم} ما يعني ان شروط الانتماء الى الحسين (ع) كما يلي: 1ــ المعرفة والاستبصار بالحق والهدى الذي عليه الامام. 2ــ الاعتراف واليقين بالباطل الذي عليه اعداءه، الى جانب الاعتراف بحق الامام. 3ــ الشهادة على ما نخاطب به الامام، وعلى ما نعتقده ونعقده في قلوبنا. 4ــ الاتباع الحقيقي والعملي، الى جانب القلبي، لما سار عليه الامام وللنهج الذي خطه في حياته. 5ــ تولي الامام وانصاره، والتبري من اعدائه. 6ــ اعداد العدة دائما لنصرة الامام ونهجه عندما يتطلب الامر ذلك. فكيف نعرف الحسين الشهيد؟ وما الذي يجب ان نعرفه منه؟ وتاليا، كيف يمكن ان نكون حسينيين حقا وليس مجاملة او ثرثرة او ترديد لكلمات لا تعني لنا شيئا؟. ان اصل الحب هو المعرفة، كما ان اصل الولاء هو المعرفة، ولذلك يجب اولا ان نعرف الحسين عليه السلام لنواليه ونحبه وننتمي الى نهجه الرسالي الوضاء، بصدق ووعي. فمن اجل ان تكون حسينيا، عليك؛ اولا؛ ان تقرا الحسين بعقلك قبل عواطفك، وبوعيك قبل احاسيسك، فالحسين ليس عبرة فقط (بفتح العين) انه عبرة (بكسر العين) وفكرة. ان ما يؤسف له حقا، هو اننا حولنا الحسين الى تراجيديا نبكي عليها فقط، من دون ان نبذل الجهد اللازم من اجل ان نقراه فنستوعبه فنتمثله نهجا للحياة، قبل ان يكون طريقة للاستشهاد. اننا ننفق الكثير على الجانب العاطفي لقضية الحسين عليه السلام، ولكننا ننفق اليسير جدا على الجانب الاخر لهذه القصة، ولذلك تحول الحسين الى عاطفة تغلبت على جانب العقل والوعي والمنطق. فاذا تساءلنا، مثلا، كم من الاموال الطائلة ننفقها سنويا لحشد مواكب العزاء والتطبير والزنجير؟ وكم من الاموال والجهد نصرفه على بناء الحسينيات وتشييد التماثيل والاعلام والرايات؟ وفي مقابل ذلك، كم من الاموال خصصناها لطباعة الكتب وتاليف المسرحيات وانتاج المسلسلات والافلام العالمية، للتعريف بالحسين واهدافه ومنطلقاته؟ وما هي الميزانية السنوية التي خصصناها للدراسات الجامعية العليا باسم الحسين عليه السلام، وللكراسي التعليمية في الجامعات العالمية الراقية، وللزمالات الدراسية للاذكياء من ابنائنا؟. لا شك ان الفارق كبير جدا، وان النسبة غير عادلة ابدا. نحن لا نريد ان نلغي الجانب العاطفي من قصة كربلاء، ابدا، فالعاطفة، كما نعرف جميعا، تلعب دورا كبيرا ومؤثرا في احياء المنهج، ولكننا في نفس الوقت، لا نريد ان تطغى العاطفة على العقل، والاحاسيس على الوعي، بل ان العاطفة يجب ان تكون طريقا الى الوعي وليس سببا لالغاء الوعي كما هو الحاصل اليوم بشان قصة الحسين عليه السلام. من جانب آخر، فان الحسين عليه السلام لا زال مشروع طائفي او اقليمي محصور في اهتماماتنا، لاننا، وللاسف الشديد، لم نبذل الجهد اللازم من اجل التعريف به وباهداف ثورته عالميا، في الوقت الذي نعرف فيه انه مشروع انساني عالمي وليس مشروعا شيعيا او عربيا او حتى اسلاميا، انه كمشروع رسول الله (ص) لكل البشرية، فهو مدرسة لكل الاحرار ومنهج لكل من يسعى لنيل الحرية ويكافح ضد الاستبداد والتسلط غير المشروع، انه مشروع اصلاح عالمي، ولذلك يجب ان يكون اهتمامنا به عالميا للتعريف به لكل العالم، ولو كنا قد فعلنا ذلك، لما جهلته البشرية، ولما نظرت الى الاسلام كما تنظر اليه اليوم، كونه دين القتل والعنف والكراهية، ولعرفت ان الحسين عليه السلام، مشروع مودة ولين ومحبة وسلام، حمله من كربلاء، وانطلق به الى كل البشرية. من هذا المنطلق، ارى ان من اللازم، اذا اردنا ان نكون حسينيين حقا، ان نقرا الحسين وكربلاء وعاشوراء بعقولنا، لنستوعب المنهج ونهضم الاهداف في حركتنا الاجتماعية. ثانيا؛ ومن اجل ان ننجح في استيعاب الحسين بعقولنا، يلزم ان يكون المنطلق ربانيا، والى هذا المعنى اشار الامام عليه السلام بقوله {فمن قبلني بقبول الحق} اي ان من يريد ان يستوعب حركة الامام الحسين عليه السلام، عليه ان يقبل بحركة الخالق في عباده، لان حركة الحسين هي جزء من الحركة العامة التي خلقها الله تعالى وارادها لعباده. مشكلة البعض منا، انه يفصل بين حركتين، الاولى هي حركة الخالق جل وعلا، والثانية هي حركة الحسين عليه السلام، وكانهما حركتان متوازيتان، او متقاطعتان، ولذلك لم يستطع ابدا ان يفهم حركة الحسين عليه السلام. اذا اردنا ان نكون حسينيين، علينا ان نقرا حركة الحسين في كربلاء، بعقول ربانية، لنعي اهدافها ومنطلقاتها ونستوعب نتائجها بشكل سليم. ثالثا؛ ان ندرس منطلقات واهداف ونتائج الثورة الحسينية، كحزمة واحدة، من جانب، وبعقل منفتح لا تسيطر عليه العاطفة او المصالح الانانية، او البعد الطائفي، من جانب آخر. اما اننا نريد ان نكون حسينيين في العزاء، يزيديين في الالتزام بالفرائض، او ان نكون حسينيين في البكاء وامويين في الالتزام باخلاقيات الاسلام، فهذا تناقض يرفضه الدين والعقل والحسين عليه السلام. ان السبط حزمة واحدة، فهو الدين كله، فاما ان نكون حسينيين حقا فنلتزم بكل الدين وقيمه واخلاقياته، او نخادع انفسنا عندما ندعي الانتماء للحسين ونحن لا نلتزم بما امرنا الله تعالى به، فهذا هو النفاق بعينه والتناقض بذاته، فالحسين ليس تجارة وهو ليس سلعة، انه الدين الذي جاء به جده رسول الله (ص). هذا يتطلب ان نلتزم بالدين كمنهج وليس كـ (تجارة) او اداة دنيوية لتحقيق مصلحة آنية، كما يفعل الكثيرون ممن اشار اليهم الامام الحسين عليه السلام بقوله {الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم}. ولم يقصد الامام بقوله {الناس} عامة الناس فحسب، ابدا، وانما قصد كل الشرائح الاجتماعية التي من الممكن ان يكون فيها من ينطبق عليه قول الامام. فكم من العلماء والفقهاء تحول الدين عندهم الى اداة ارتزاق، ومصدر عيش، فتراهم على اتم الاستعداد، وفي كل آن، لبيع دينهم والتنازل عما يدعون اليه من قيم، بسعر بخس، كأن يكون حفنة من المال او منصب ما او جاه معين؟. وكم من القادة والسياسيين الذين تحول الدين عندهم الى سلعة تباع وتشترى، والى اداة يتاجر بها، للوصول الى السلطة، فاذا ما حقق غايته الدنيوية، خاطب كتاب الله العزيز ، بما خاطب به الوليد بن عبد الملك القرآن الكريم عندما اخبر بان الخلافة وصلت اليه، بقوله (هذا فراق بيني وبينك}. انه يقرا القران الكريم تظاهرا، ويصلي في المسجد رياءا، ويصوم ويحج تكلفا، مثله في ذلك، مثل من كان يصلي في المسجد بكل خشوع وتذلل الى الله تعالى، وبذلك الصوت الجهوري الذي يحبه الله ورسوله والمؤمنون. في الاثناء دخل عليه شخصان يريدان الصلاة في المسجد، فسمعهما يتباهيان بخشوعه وقراءته الدقيقة للايات وتذلـله بين يدي الله عز وجل. قطع صاحبنا صلاته، والتفت اليهما قائلا {يا جماعة، انا صائم كذلك}. رابعا؛ نحن نقرا في دعاء قنوت صلاة العيدين ما يلي: {اللهم ادخلني في كل خير ادخلت فيه محمدا وآل محمد، واخرجني من كل سوء اخرجت منه محمدا وآل محمد} فكيف السبيل الى ذلك؟ وكيف يمكن تحقيق هذه الامنية العظيمة؟. في البدء، يجب ان نعرف بان مثل هذا الهدف لا يتحقق بالدعاء فقط، ولا بالتمني فحسب، وانما بالعمل والاجتهاد وبذل الجهد لتحقيقه، خاصة وانه هدف استراتيجي كبير. ثم، اذا اردنا تحقيق ذلك، علينا ان نعرف الخير الذي دخل فيه اهل بيت النبوة، لنسير في هداه حتى الوصول اليه، كما ان علينا ان نعرف السوء الذي لم يدخل فيه اهل البيت عليهم السلام، لنتجنبه ونتحاشاه. ومن خلال قراءة سيرة اهل البيت عليهم السلام يتضح لنا ان الخير الذي هم فيه، اخلاصهم لله تعالى، وحبهم الخير للناس من دون تمييز، فهم باب رحمة الله الواسعة لكل بني البشر، كما انهم الجادة التي ما سار عليها امرء الا هدي الى الصراط المستقيم. من يريد ان يكوم حسينيا، عليه، اذن، ان يحب الخير لكل الناس من دون تمييز على اساس الدين او العرق او العشيرة او الانتماء الجغرافي. كذلك، عليه ان يكون بابا للخير لهم، فلا يمنعهم الخير اذا وقف على بابه. خامسا؛ لنعرف ماذا فعل الحسين عليه السلام، لنفعل مثله، فنكون حسينيين. لقد لخصت الزيارة المعروفة، بزيارة {وارث} الافعال التي انجزها السبط الشهيد، وهي كالتالي: الف: اشهد انك قد اقمت الصلاة. باء: وآتيت الزكاة. جيم: وأمرت بالمعروف. دال: ونهيت عن المنكر. هاء: وأطعت الله. واو: ورسوله. من هنا تتضح معالم الرجال الحسينيين. فالحسيني، هو من يذوب في ذات الله تعالى ويطيع رسوله، ويلتزم بما امر به، فليس حسينيا من لا يصلي، مهما كثر بكاؤه عليه او زادت تعزيته، وليس حسينيا من لا يطع الله ورسوله، وليس حسينيا من يتفرج على المنكر فلا ينهى عنه، او يعرف المعروف ولا يامر به او يدل عليه. ولان الحسين عليه السلام كان ربانيا بكل معنى الكلمة، لذلك قال لمن دعاهم لنصرته {فمن قبلني بقبول الحق، فالله اولى بالحق} اي انه لم يكن يريد النصرة لنفسه، كما انه لم يطلب طاعة الناس لذاته، كما يفعل الطغاة والجبابرة، وانما طلبها لدين الله تعالى ولقيمه السمحاء التي كادت ان تندرس لولا تضحيته السخية. الحسينيون، اذن، لهم مواصفاتهم الحقيقية، وما عدا ذلك، يبقى كلاما فارغا واحيانا معسولا، قد يخدع الناس ولكن لن يخدع الله تعالى العالم بسرائر الامور وما تخفي القلوب، اولم يقل رسول الله (ص) {لا يخدع الله عن جنته}؟. سادسا، واخيرا؛ فان الحسيني حقا هو الذي لا يوالي من هو عدو للحسين، ولا يعادي من يحب الحسين ابدا، ولذلك نقرا في الزيارة المشار اليها {اني سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم} بمعنى آخر، فان الحسينيين يشكلون بمنهجهم وبطريقتهم وبمجموعهم جبهة واحدة لا تهزها العواصف، ولا يخترقها اليزيديون، مهما كانت اشكالهم ووسائلهم التضليلية. الحسينيون، وحدة واحدة منسجمة ومتآلفة ومتعاونة، واذا وجدنا يوما انهم متخاصمون او متفرقون، يضعف بعضهم بعضا، ومتقاتلون على حطام الدنيا، فذلك يعني انهم تركوا الانتماء الى الحسين عليه السلام، وارتموا في حضن الشيطان، وانهم انقلبوا على اعقابهم وارتدوا على منهجهم، ليستبدلوا الولاء للحسين بالطاعة ليزيد واشباهه. في مثل هذه اللحظة على وجه التحديد، عليهم ان يعيدوا حساباتهم، فيرجعوا الى صوابهم قبل فوات الاوان، فان من لم يكن حسينيا في المنهج والوعي والانتماء والعمل والمشاعر والممارسة اليومية، فهو يزيدي في كل ذلك، وان لم يعلن هويته على الملأ بصراحة ووضوح. 10 كانون الثاني 2008

نهـــج علــي ... دواء الـــــداء !!1

نــزار حيدر في مهرجان الغدير الذي نظمته الجــالية العــراقية فــي العـاصمة واشـنطن: قال نــــــــــزار حيدر، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن، ان الامام علي بن ابي طالب عليه السلام، تعبيرعن نهج انساني يمكن ان يكون دواء لكل داء يصيب الامة، كتلك الامراض الاجتماعية والسياسية التي اصيبت بها شعوبنا العربية والاسلامية، اليوم على وجه التحديد. واضاف نـــــزار حيدر الذي كان يتحدث في المهرجان الخطابي الذي نظمته الجالية العراقية في مركز الامام علي (ع) في العاصمة الاميركية واشنطن؛ لقد رسم الامام بنهجه الانساني والرسالي معالم الحلول الناجعة للامراض التي تصيب الامة في اي وقت من الاوقات، ولذلك لا نستغرب عندما تقول هيئة الامم المتحدة وفي القرن الواحد والعشرين، اي بعد مرور قرابة (14) قرنا على استشهاد الامام في مدينة الكوفة المقدسة، في تقرير برنامج التمنية الانمائي وحقوق الانسان لعام 2002 والتابع للامم المتحدة، ان الامام علي عليه السلام هو رائد العدالة الاجتماعية والسياسية، ويتضمن تقرير الامم المتحدة المذكور والذي جاء في (160) صفحة باللغة الانجليزية، مقتطفات من وصايا الامام اميرالمؤمنين عليه السلام الموجودة في نهج البلاغة، والتي يوصي بها عماله وقادة جنده، اذ يذكر التقرير بان هذه الوصايا الرائعة تعد مفخرة لنشر العدالة وتطوير المعرفة واحترام حقوق الانسان. نعم لا نستغرب من ذلك، فلقد جسد الامام بنهجه الانساني الرباني قيم العدالة والمساواة والامانة وحقوق الانسان. ان ما يؤسف له حقا، اضاف نـــــزار حيدر، هو ان الاخرين اكتشفوا نهج الامام ونحن، الاقرب اليه دينا ومذهبا ولغة وتراثا وقيما، لا زلنا لم نكتشف الامام، اذ لا زال الكثير من المسلمين ممن يدعون انهم يسيرون على نهج السنة النبوية الشريفة، يتعاملون مع علي من منطلق طائفي بغيض، لان الشيعة تحبه او لان الجماعة الفلانية بالغت في حبها، او ان آخرين الهوه، فاذا كانت قلة قد اخطات في فهم علي، فما ذنب الامام في ذلك؟ ولماذا يجب ان يتم التعامل معه بطائفية وكأنه لجماعة دون اخرى، او لطائفة دون غيرها؟. عن امكانية ان يكون نهج الامام علي عليه السلام، دواء للامراض التي اصيب بها العراق اليوم على وجه التحديد، قال نـــــزار حيدر؛ اذا تعاملنا بصدق وواقعية ووعي مع نهج الامام، فسيكون نبراسا لنا، نحن العراقيون، وعند ذلك يمكن ان نجد فيه الدواء للداء العضال الذي ابتلينا به، الا اننا، وللاسف، نتعامل مع الامام ونهجه السياسي والاجتماعي وكانه تراث في الماضي او انه نهج مثالي لا يمكن الاستفادة منه في العصر الحاضر، او انه دليل طائفية من يتعامل معه او يسعى لاحيائه في الواقع اليومي، وان كل ذلك خطا كبير لا نظلم فيه الامام، فالامام لا يظلمه جهل الناس به، انما نظلم انفسنا اولا، ونظلم قيمنا التي ندعي اننا نؤمن بها، ثانيا. ولو كان نهج الامام ماض انقضى او انه نهج مثالي، لما اوصى تقرير الامم المتحدة المشار اليه، الدول العربية ان تاخذ بهذه الوصايا في برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، لانها (لا تزال بعيدة عن عالم الديمقراطية، ومنع تمثيل السكان، وعدم مشاركة المراة في شؤون الحياة، وبعيدة كل البعد عن التطور واساليب المعرفة) على حد قول التقرير. واضاف نــــزار حيدر بالقول؛ لو تعامل المسلمون بعقول منفتحة مع نهج علي، لما شوهت عصبة من الارهابيين الذين ورثوا نهج العنف والانحراف والقتل والنزو على السلطة بغير حق من بني امية عبر التاريخ، صورة الاسلام الناصعة، وقيم السماء النبيلة التي جاء بها ديننا الحنيف. ففي نهج علي يكمن السلام والتسامح والحوار والاعتراف بالاخر، واحترام الراي الاخر، واللين والتعامل الايجابي مع المعارضة ما لم ترفع السلاح لتفسد في الارض. وبنهجه الرسالي والرباني نرسم معالم الديمقراطية الحقيقة التي تتجلى بابهى صورها بتنازل صاحب الحق عن حقه الشخصي من اجل الصالح العام، فبالله عليكم، اخبروني، قال نــــزار حيدر، من غير الامام علي عليه السلام، تنازل عن حقه من اجل الصالح العام؟ ومن غيره الذي وصل الى سدة الحكم ليس بالانقلابات والمؤامرات وتدبير الامور بالليل المظلم، وانما بطريقة ديمقراطية اعتمدت البيعة العامة وليس الخاصة كما فعل آخرون؟. لذلك اقول، اضاف نـــزار حيدر، فان كل حديث عن الديمقراطية من دون نهج علي فهو هراء، وان اي حديث عن الكرامة من دون نهج علي فهو كذب، وان اي حديث عن الوحدة من دون نهج علي، فهو حديث افك، لا يرقى الى الحقيقة ابدا، فعلي عليه السلام هو الدين وهو الوحدة وهو الديمقراطية وهو الكرامة وهو التعددية وهو الصالح العام وهو الامانة والنزاهة. واضاف نـــــــزار حيدر يقول: يجب ان نتعامل مع الامام علي عليه السلام كمنهج يومي، في كل شئ، في علاقاتنا العائلية والاجتماعية وفي علاقاتنا مع الاخر، مهما كان هذا الاخر، كما يجب ان يكون دليلنا اليومي في العمل السياسي والنشاط الاقتصادي، كما يجب ان يكون دليل السلطة في العراق، فتتعلم من نهجه، الامانة والحرص على المال العام، الذي يقول عنه عليه السلام لما طلب منه بعض المسلمين ان يميزهم في العطاء {ان هذا المال ليس لي ولا لك، وانما هو فئ للمسلمين} او كما قال لاخرين {لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وانما المال مال الله}. لقد رسم الامام عليه السلام معالم الامانة الحقيقية التي يجب ان يتميز بها كل من يتصدى للشان العام ، عندما خطب المسلمين مرة قائلا {ان خرجت منكم بغير القطيفة التي جئتكم بها من المدينة فانا خائن} وهو القائل {أعظم الخيانة، خيانة الامة} ففي نهج علي، فان كل من يمد يده على المال العام بغير حق فهو خائن، وان صام وصلى، وان رفع شعارات الوطنية والامانة والحرص، فالامانة ليست شعارا وهي ليست كلاما وادعاءا، بل انها ممارسة يومية يجب ان يثبتها ويثبت عليها الانسان، خاصة من يتصدى للشان العام، اما اولئك الذين يسمون السرقة بالهدية لتطهيرها من الدنس والرجس، فلنستمع الى رسول الله (ص) ماذا يقول في ذلك، ففي الرواية؛ حدثنا عبيد بن اسماعيل، حدثنا ابو اسامة عن هشام عن ابيه عن ابي حميد، قال؛ استعمل رسول الله (ص) رجلا على صدقات بني سليم يدعى بن اللتبية، فلما جاء، حاسبة، قال هذا مالكم، وهذا هدية، فقال رسول الله (ص) {فهلا جلست في بيت ابيك وامك حتى تاتيك هديتك ان كنت صادقا} ثم خطبنا فحمد الله واثنا عليه ثم قال {اما بعد فاني استعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فياتي فيقول هذا مالكم وهذا هدية اهديت لي، افلا جلس في بيت ابيه وامه حتى تاتيه هديته، والله لا ياخذ احد منكم شيئا بغير حقه الا لقي الله بحمله يوم القيامة، فلاعرفن احدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء او بقرة لها خوار او شاة تبعر} ثم رفع يده حتى رؤي بياض ابطيه يقول {اللهم هل بلغت؟ بصر عيني وسمع اذني}. فالى من يسرق من المال العام الذي هو حق العراقيين بلا استثناء او تمييز، اقول لهم؛ اتقوا الله في اموال العراقيين، وتذكروا ان حياتكم اياما معدودة وستردون الى عالم الغيب والشهادة وستقفون بين يدي الله عز وجل في يوم المحشر وستعرضون امام العالمين، فهل ستجيبون الخالق بما تجيبون به الناس في الدنيا؟. وفي مسعى عملي لاحياء نهج الامام في حياتنا اليومية، اقترح نـــــزار حيدر، ان ينظم كل واحد منا برنامجا يوميا لقراءة ما لا يقل عن قول واحد من اقوال الامام علي عليه السلام، في نهج البلاغة، او سطر واحد من خطبه ورسائله الرائعة، وان نعلم ابناءنا اقوال الامام ليطلعوا على نهجه الرسالي الحضاري، فلا نبقى بعيدين عنه، جاهلين به، الامر الذي خلق كل هذه الهوة الكبيرة فيما بيننا وبينه. 30 كانون الاول 2007