الفرار المهين قبل وصول الغزاة إلى بوابة بغداد
بقلم : محمد خليل الحوري
الذين يتبجحون ببطولات قائدهم الفذ .. وقائد الضرورة يتجاهلون بأن هذا القائد الذي – لا يزالون يمجدون ويتباهون ببطولاته وعبقريته وإنتصاراته – هو أول من فر هاربا من مواجهة الغزاة الأمريكان قبل وصولهم إلى بوابة بغداد .. وترك لهم الحبل على الغارب وهو القائد العام للقوات المسلحة كما يزعم ويزعمون ليحتلوا بغداد وينتشروا بدباباتهم ومعداتهم العسكرية دون أدنى مقاومة تذكر .. وهو مشهد يذكر بدخول الجيش العراقي ( الظافر و المظفر ) إلى الكويت في اليوم الثاني من شهر إغسطس / آب من العام 1991 م .. مع الفارق الكبير في المعايير والأهداف والنوايا بين كلتا الحالتين ، وهو الذي إدعى بأنه حامي البوابة الشرقية للوطن العربي ، وطبلت وزمرت له أجهزة الإعلام العربية من المحيط إلى الخليج يومذاك ، ولقي كافة أنواع الدعم والمساندة من تلك الدول التي هبت وفزعت لنجدته .
ولكن شاءت الأقدار والظروف أن يلقى القبض على القائد الضرورة في حفرة تحت الأرض – هاربا ومختبئا عن الرفاق الأمريكان – بعد أن وشي به أحد المقربين إليه وهو في حالة يرثى لها ، ولو كان بطلا ويملك ذرة من الشجاعة بالفعل – كما يزعم محبوه ومؤيدوه – لواجه الغزاة بكل شجاعة وإقتدار، وقبل وصولهم إلى بوابة بغداد ، وقاومهم وصمد حتى آخر رمق من أنفاسه – كما هدد وتوعد قبل الغزو بأنه سيدحر الغزاة ويجعل من بغداد مقبرة لهم ، ولكنه للأسف لم يحترم ولم يفي بما تفوه وتوعد به .. ولو فعل ذلك لكان قد أصبح فعلا بطلا شجاعا ورمزا قوميا ولدخل التاريخ من أوسع أبوابه ، ولكنه خيب الآمال وحطم الأحلام وأهان وأذل بتصرفه المشين والمهين كافة العرب والمسلمين .
وهكذا سقط هذا القائد الفذ في الوحل ، وحطم الإسطورة والهالة التي أحاط بها نفسه ، وروّج لها أنصاره وتابعيه الذين أسبغ عليهم من خيرات وثروات العراق ، والتي حرم منها الشعب العراقي بكافة طبقاته وفئاته ، فضلا عن معاناة هذا الشعب المظلوم من جراء ما جلب له هذا الطاغية من ظلم وإبعاد وإقصاء وما مارسه ضده من قتل وتهجير، و زج وتعذيب في غياهب السجون ، وما لاقاه من تعذيب نفسي وجسدي وقمع وحشي طال حتى النساء والأطفال والشيوخ ، ولم يسلم من سطوته وظلمه حتى العلماء ورجال الدين والأتقياء والشرفاء ، اللهم إلاّ أزلام نظامه والمقربين منه الذين يقدسونه ويعبدونه ويقدمون له الطاعة العمياء والولاء ، وهو الذي إستغلهم في تنفيذ وتمرير مخطاطاته وأهدافه ومؤامراته الشيطانية .
إن الجرائم التي إرتكبها هذا الطاغية لا تعد ولا تحصى ، وهو الذي فاق في طغيانه على كل طغات العالم – عبر التاريخ بتفوق وإمتياز وبأعلى مرتبة من الظلم والطغيان .. وفي واقع الأمر فهو وجلاوزته الطغاة لا يحتاجون إلى جلبهم إلى المحاكم ، وإعطاءهم فرص ذهبية لكي يمارسوا ومحاموهم العتاة ضجة إعلامية ، ويروجون لأنفسهم عبر الفضائيات في العالم التي تنقل وقائع وأحداث جلسات المحاكمة ، ولقد إستغلوا تلك الفرصة السانحة لهم لأن يلقوا بخطبهم السياسية ويروجوا لأنفسهم ، وأن يرسلوا برسائل مشفرة لفلولهم المنهارة المتحالفة مع العصابات الإرهابية للقيام بعمليات القتل المنظم وإشاعة الإرهاب في كل مكان ، فكان إستهداف الأبرياء بلا رحمة ولا هوادة وبصورة وحشية - يندى لها جبين البشرية جمعاء - هو ما ساد ويسود في العراق إلى هذه الساعة .
فجرائم هذا الطاغية وأعوانه لم تعد خافية على أحد ، ويعرفها القاصي والداني وكل صاحب ذمة وضمير، وكل من يملك ذرة من الإحساس والشعور ، وهي ماثلة وشاخصة للعيان ولا تحتاج إلى أدلة وبراهين وإثبات ، فالمقابر الجماعية أكبر برهان وخير دليل ، ولكن من يتجاهل دماء الأبرياء والضحايا ويبخس حق المظلومين والمحرومين ، وينبريء لمناصرة الظالم والجلاد ، وخاصة مؤيدوه والمحامون عنه الذين لا يزالون يعتبرونه قائدهم ورمزهم المقدس ، ويضعونه في مصاف الآلهة والقديسين ، هم من يتنكر ويتجاهل كل ما إقترفته يداه الآثمتين من جرائم نكراء بحق الشعب العراقي وهي تعتبر جرائم ضد الإنسانية والبشرية .
هؤلاء العتاة الذين أعمى الله بصيرتهم فقست قلوبهم وتحجرت عقولهم فراحوا يملئون الأرض صراخا وزعيقا ونهيقا – إستنكارا ورفضا للحكم الصادر بحق هذا الطاغية وجلاوزته - عبر الفضائيات التي لا تزال تطبل وتزمر له - ولكن عبر إستضافتهم وإتصالهم بزمرته المقربة له ، وبمن هم لا يزالون يشكرونه ويسبحون بحمده ، ليخلطوا السمن بالعسل ويصلوا إلى أهدافهم المبيتة ونواياهم الخبيثة التي تنم عن أحقاد دفينة ، من أجل إثارة النعرات القبلية والطائفية ، وإشاعة البلبلة والفتنة لكي تسوء الأحوال ،وتعم حال من الفوضى والإنفلات الأمني وعدم الإستقرار.
وتظل الأوضاع متوترة ومشتعلة ليساهموا في إفشال العملية السياسية في العراق ، ويظل مسلسل القتل وتفجير السيارات المفخخة مستمرا ، والذي يحصد أرواح الأبرياء من أبناء الشعب العراقي المقهور والمظلوم والمحروم ، ويحققوا أهدافهم المرسومة ونواياهم الخبيثة ، ولو فكروا في الأمر وحكمّوا العقل والمنطق ، لوجدوا إن ما يرتكبونه من جرائم منكرة وضد الإنسانية والبشرية ، وهي بالطبع غير أخلاقية وتنم عن مستوى الإنحطاط الذي وصل إليه هؤلاء القتلة الإرهابيين ، وهي من الكبائر التي تغضب الرب – جل جلاله – وتنزل النقمة والبلاء بالأمـة - بلا أدنى شك أو ريب - ولكن أكثرهم لا يعقـلون ولا يفقهون ولا يتفكرون .
فهل ما حدث ويحدث من قتل وتدمير وهتك الأعراض والإبادة الجماعية من قبل عصابات وحشية ترفع راية الدين شعارا لها .. وتتستر تحت لواء المقاومة المقدس ، وتتمادى في غيها وجبروتها وحقدها وإنتقامها ، وتعرض أروح العشرات يوميا للقتل وإراقة الدماء وسقوط الجرحى والمعذبين ، دون مراعاة لحرمة أو وازع من دين أو ضمير ، ولهول وفظاعة كل ما يرتكبونه من أعمال عدوانية ، وأساليب قمعية وحشية بحق الأبرياء ، لكونهم يتبعون الجهة الفلانية أو الفئة العلانية .
لكنه الحقد الأسود والكراهية الرعناء التي تعمى القلوب وتغشي على الأبصار، وهم يمارسون نفس أساليب القمع والإبادة والفتك والتدمير التي يمارسها الكيان الصهيوني وآلته العسكرية المتوحشة ، بحق أبناء الشعب الفلسطيني المظلومين والمحرومين والمغتصبة حقوقهم ، والعالم من حولهم يغض الطرف ويلتزم الصمت المطبق ، ويتعصب للقتلة المجرمين وسفاكي الدماء وأعداء الحرية والمحبة والسلام .
وأخيرا بعد الفرار المهين والعذاب المرير ، والعيش في المخابئ والجحور، هروبا من الموت الزؤام وحبل المشنقة الذي نصبها لمعارضيه ومناوئيه في كل ركن وزاوية من البلاد .. ولكن يشاء القدر أن يكون الحكم الصادر بحقه هو - الإعدام شنقا حتى الموت وهي بالطبع حكمة إلهية هدفها أن يتعلم ويتعظ منها هؤلاء الطواغيت ، ولكنهم كالعادة يرفضون أخذ العبر والدروس والإستفادة من تجارب الأخرين ، ولو كان الأمر كذلك لإنتهى بروز وظهور وتعاقب الطواغيت عبر التاريخ ، من عهد فرعون وحتى يومنا هذا ، وهذا هو طبعهم وهذا هو ديدنهم الذي لا يريدون الحياد أو الإبتعاد عنه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق