الأحد، نوفمبر ٣٠، ٢٠٠٨

للديمقراطية البيضاء ... حدود وخطوط حمــراء !!

بقلم : محمد خليل الحوري
هل للديمقراطية وجوه وجوانب متعددة .. وهل لها أنماط وأشكال مختلفة .. من الإجراءات والقوانين التي يمكن تجاوزها لتتماشى والمصالح والمنافع الشخصية ، وما يخدم رغبات وتطلعات أصحاب القرار والنفوذ .. ويحقق لهم ما يرغبون فيه وما يريدون وما إليه يتطلعون.. وهل يجوز لهم الإنتقاء منها ما يناسبهم، ورفض كل ما يخالف أهواءهم ويشبع رغباتهم .. وهل هناك ديمقراطية مصالح تجيز لمثل هؤلاء الناس أن يتحكموا في تلك الديمقراطية كيفما شاءوا ووقتما رغبوا .. وهناك من تصرف وإتخذ إجراءات خاصة به، تتناسب مع مصالحه ومنافعه الشخصية .. ولنا على أرض الواقع أمثلة كثيرة على تلك التجاوزات والإنتهاكات بحق الديمقراطية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، نورد هنا بعض منها :- ففي التسعينات كان الإنقضاض الكبير على الديمقراطية بأبشع صورها .. حيث حققت جبهة الإنقاد الوطني في الجزائر، فوزا ساحقا في الإنتخابات النيابية .. ولكون الرياح قد جرت بما لا تشتهي سفن السلطة هناك ..
ولكونها لم تكن كما كانت ترغب فيه السلطة .. فتم الإنقضاض على تلك الديمقراطية التي لم تكن في صالحهم وعلى خلاف رغبتهم .. وقلبت الطاولة على كل النظم الديمقراطية العريقة في العالم . ولقد فازت حركة المقاومة الإسلامية - حماس في الإنتخابات النيابية وحققت نصرا كاسحا.. وفق إنتخابات حرة ونزيهة وتحت إشراف لجان مراقبة دولية.. بإعتراف كافة دول العالم.. وسمح لحماس بتشكيل حكومة جديدة.. وهذا هو شأن الديمقراطية وديدنها في ذلك.. حيث يكون للحزب أو الجهة التي تحقق الفوز في الإنتخابات، الأولوية في تشكيل الحكومة.. وقد أرادت حماس أن تكون حكومتها ( حكومة وطنية ) . ولكن أكثرية الأحزاب والجبهات الأخرى رفضت المشاركة في ذلك.. لأنه قد هالهم أن تفوز حماس في تلك الإنتخابات .. ولأن ذلك خلاف ما يرغبون وإليه يتطلعون .. وكذلك كان الأمر يتوافق مع رفض الكيان الصهيوني والقوى الحليفة والمتحالفة معه .. فوضعت أمام حماس العراقيل، وخلقوا لها ألف مشكلة ومشكلة .. وفرض عليها الحصار من كافة الأطراف والجهات.. في سبيل إسقاطها والتنكر لتلك الديمقراطية التي يتباكون عليها . والأدهى والأخطر من ذلك هو قيام الكيان الصهيوني بإختطاف عدد كبير من نواب ووزراء تلك الحكومة وعلى رأسهم رئيس البرلمان في وضح النهار ، وزجهم في السجون بغرض إدانتهم ومن ثم محاكمتهم.. في إختراق واضح لأبسط مبادئ الديمقراطية.. تحت مسمع ومرأى العالم دون أن يلقى ذلك التصرف الأهوج والفاضح أية إدانة دولية ، أو حتى شجب وإستنكار عربي ، والجميع لزم الصمت المطبق ، وكأنه إجراء قانوني ، ليدلل على الإجماع الدولي في التآمر على تلك الحكومة المنتخبة ديمقراطيا .
ولقد طالبوا حماس بالتخلي عن حكومتها .. وبإجراء إنتخابات جديدة .. في سابقة خطيرة من نوعها للإنقلاب على الديمقراطية .. ولهذا سرعان ما إرتفعت الأصوات من الكيان الصهيوني ومن الدول الأخرى الحليفة والمتحالفة معه .. مؤيدة وباصمة بالعشر على هذا القرار - المخالف للديمقراطية التي يتشدقون ويتبجحون بها - وطالما نادوا الدول المتخلفة عنها أن تسرع الخطى، للحاق بركبها ، والفوز بالإلتحاق برحلها . واليوم نرى هناك من يتآمر ويراوغ ويخادع ويماكر للإنقلاب على تلك الديمقراطية.. ويتصرف بما تمليه عليه مصالحه ومنافعه الشخصية.. فيتجاوز الحدود ويبني السدود، ويتصنع الأعذار، ويضع العراقيل، ويختلق العقبات والصعاب .. من أجل أن يطبق ما يتماشي مع مصالحه ومنافعه .. ويفرض ما يرغب هو فيه ويتطلع إليه .. وهو حاملا ومتمسكا بلواء تلك الديمقراطية، ويرفض الواقـع وما تتطلبـه الديمقـراطية من فروض وشروط وحـدود ، وهي لا تسمح لأحد بأن يتجاوزها ، أو يتعدى عليها ، أو أن يبخس حقها .. ويتمادى في ظلمها .
ومن أبسط تلك الشروط المتعارف عليها والتي تطبق في دول الديمقراطيات العريقة .. وكذلك في الدول التي آلت على نفسها ، وإلتزمت في تطبيق تلك الديمقراطية الحقيقية .. وهو أن تكون الأولوية للجهة أو الحزب الذي حقق إنتصارا في الإنتخابات النيابية والبلدية .. في تشكيل الحكومة وتولي الزعامة أولا .. ومن ثم تكون له الأحقية في رئاسة البرلمان ثانيا ، وهي إجراءات وشروط وفروض قد لا تكون مرغوبة لدى البعض ، ولكنها فرضت من قبل الديمقراطية العتيدة – شئنا ذلك أم أبينا .
تلك هي بعض شروط لعبة الديمقراطية .. فلا يحق لأحد بأي حال من الأحوال التلاعب بها .. أو تجاوزها والإنقضاض عليها ، أو الإنقلاب على مبادئها وتعاليمها .. والإلتفاف والتلاعب بتلابيبها .. أو مراوغتها وخداعها وسلب إرادتها .. أو اللف والدوران حول قوانينها وإختراقها .. فالديمقراطية لها حصن حصين وسد منيع لا يمكن تجاوزهما - لا من أمامهما ولا من خلفهما - فمن أراد الديمقراطية فليسلك صراطها المستقيم ، وطريقها القويم ، ومن يرفضها فليسلك دربا غير دربها .. ويتخذ طريقا غير طريقها .. فهي لا تحب النفاق وتكره المكر والخداع.. وترفض كل أنواع الإستغلال والإبتزاز ، وكافة أشكال التهديد والوعيد ، وتأبى في شموخ وكبرياء - أن ينال أحد من عزتها وكرامتها وتصر بقوة وعنفوان ، أن يلتزم ويتقيد وبإحترام كل من يقترب من أسوار قصر جلالتها - بالعدالة والنزاهة والمصداقية والنيّة الحسنة والأمانة - وهي لن تسمح لأحد – كائن من كان - بغير تطبيق وإتباع قوانينها ، والإلتزام بسنتها وشريعتها، والسيرعلى خطى نهجها وهدايتها .

ليست هناك تعليقات: